في زمن العولمة والإعلام المرتهن وترسيخاً لمفاهيم الثقافة والمعرفة الراقية والتي تعيش غربتها القاتلة تعيد مجلة كواليس وموقعها الإلكتروني نشر لقاءات ثقافية وسياسية كان قد أعدّها وقدّمها لفضائية الإتحاد الإعلامي، د. وسام حمادة عبر برنامج 24 / 24
ولقاء العدد مع: أستاذ معهد الفنون الجميلة الفنان التشكيلي ” حسن جوني “
عنوان الحلقة: ” ألوان الصمود “
أغنية بعنوان: ” هنا ترابي “
كلمات الشاعر: ” محمود شعبان “
ألحان وغناء: ” د. وسام حمادة ”

الأغنية:
هنا ترابي هنا زرعي وزيتوني
زهر الحقول وتيجان البساتين
هنا بلادي انتخت نذراً لحارسها
قد أوفي النذر يا أرض القرابين
هنا الضياء سراج زيته دمنا
فشعلة الضوء من نبض الشرايين
هنا الفداء غدا راية ألوية
من بعد ما هدّنا ندب المساكين
يا صحوة العصف في نار مؤججة
هي الحريق لأطواد السلاطين
هنا الينابيع دفق من خواصرنا
يعاند النزف من نصل السكاكين
وشم المآسي أزالته خناجرنا
فطهرتنا جسارات الميامين
فلا تُقارب بلادي لا تهن دمنا
دم الشهادة يا ضوع الرياحين
هنا ترابي هنا زرعي وزيتوني
زهر الحقول وتيجان البساتين
هنا بلادي انتخت نذراً لحارسها
قد أوفي النذر يا أرض القرابين.

– أُرحب بضيفي الفنان التشكيلي الأستاذ حسن جوني، أهلاً وسهلاً بك في فضاء الإتحاد وفي برنامج 24/24.
الضيف: أهلاً بكم وبهذه المحطة الجميلة، وتحضيراً للإجابات على الأسئلة التي يبدو أنها مهمة وكبيرة.
– إن شاء الله نحن وإياكم سنُقدّم ما يستفيد منه المتلقي عبر إجابات من شخص أخذته الحياة بكثير من مناحيها الإيجابية، صعوداً أو هبوطاً لتُشكّل هذه الشخصية الفنية التي اسمها حسن جوني.
لوحاته أقرب إلى المسرح الذي يعجّ بالأحاسيس والمشاعر، هو المخرج لأدق التفاصيل، رسم الجنوب بواقعية دون التخلي عن الرمزية، مجّد الأرض التي رحل عنها قسراً، وعند عودته سرق من رائحة ترابها عبيراً للوحاته، التزم الإنسانية بأدق تفاصيلها واخترق بيروت من خلال النوافذ والشرفات ليُشكّل لوحة لعاصمة ليست ككل العواصم، تألم مع الناس وحمل أحلامهم وعبّر عن ذلك كله بجمالية تشكيلية مميزة طبعت بألوانها هويته الفنية.
أستاذ حسن حضرتك من المخضرمين في عالم اللون والريشة وعالم اللوحة، لديك الكثير من المعارض إن كان على المستوى المحلي أو الدولي، واللافت لمن يُتابع لوحاتك وجود هذا التزاوج المُلتصق بين مكانين، بين الجنوب – وأنت من قرية رومين الجنوبية، وبين بيروت التي ولدت ونشأت فيها، هل هذا التزاوج شكّل شخصية اللوحة لدى حسن جوني؟
الضيف: عليك أن تقسم مشاعري إلى قسمين، قسم فيه شيء من الحنين الذي يشدني دائماً إلى الجذور، والحنين يكون دائماً لِما هو بعيد، والجذور هي البعيدة، وأقصد بالبعيدة هنا من حيث المكان الجغرافي والإقامة في المدينة وهو الحضور الدائم فيها، والحنين إلى الجذور يجعلني أرفع لوحتي للمنظر الجنوبي تحية لتلك الجذور التي صَدَرتُ عنها، وأتيت إلى بيروت حاملاً بشراييني وأوردتي، بذاكرتي هذا الريف الجنوبي الجميل الممتلئ ليس فقط بالضوء، ممتلئ بالطيور، بالسنابل والغابات، ممتلئ بالسطوح الطينية للبيوت المتلاصقة التي كانت في تلك الأيام من طفولتنا حين كانت القلوب أيضاً متلاصقة، وكلما أردت أن أرتاح من عناء المدينة وضجيجها وصخبها المُحبب لدي، كنت أعود إلى الجذور كي أغني مع الطبيعة هناك، فهي بالنسبة لي استراحة المتعب المكافح والمحارب في المدينة، لأنه في المدينة لا يمكنك أن تكون إلا محارباً، لكن ليس بالمعنى العسكري، هنا الصراع صراع حضاري وثقافي لأنك في المدينة تصبح كائناً من مجموعة كيانات تتواتر وتتفاعل، كما أنها تتكثف تجاربها وتتعارف مع تجارب الآخرين ومع تجاربها الشخصية، فوجدت أنه دائماً هناك محطة ألجأ إليها من التعب كما يلجأ الفلاح إلى فيء شجرة، ذلك هو المنظر الطبيعي.

– وصف جميل، سأعود مع حضرتك إلى هذه الذاكرة الغنية ولكن بعد متابعة هذا التقرير الذي يدور حول شخصية الفنان التشكيلي الأستاذ حسن جوني.
التقرير:
يرسم لوحاته بإحساس المصوّر وتقنية الرسم التصويري الغربي، ويعلن بقوة عن دفع القلق الرابض في أعماقه.
حسن جوني فنان تشكيلي من مواليد عام 1942، متخصص في الرسم والتصوير وفي تاريخ الفن، خريج جامعات بيروت ومدريد، وهو عضو في جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت وأستاذ في معهد الفنون الجميلة ورئيس قسم الرسم والتصوير فيه لمدة سبعة عشر عاماً، حاز على الميدالية الذهبية الأولى في بينال اللاذقية عام 1997، أقام واحداً وعشرين معرضاً خاصاً في لبنان، وشارك في أربعة عشر معرضاً جماعياً خارج لبنان.
تحتضن المتاحف العالمية لوحاته كمتحف الفن سان باولو البرازيل، ومتحف الفن التشكيلي في عمان وصالة جمعية الفنانين الكويتيين في الكويت.
حسن جوني فنان ورشة دائمة لا فنان مرحلة، يشهد من خلال لوحاته على زمنه وعلى تغيّر الأزمنة.
– أستاذ حسن كما ورد في التقرير أن مسيرتك غنية، غنية باللون وباللوحات وغنية بالأماكن وبالتجارب، حضرتك درست في مدريد دراستك الأساسية؟
الضيف: دراستي الأساسية كانت في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، وهي غير الجامعة اللبنانية، لأنه حينها لم يكن هناك معهد للفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وأنهيت دراستي في الأكاديمية اللبنانية وحصلت على منحة الدولة اللبنانية للتخصص في الخارج، فقصدت إسبانيا وأنهيت دراستي في الأكاديمية الملكية العُليا للفنون الجميلة في مدريد.

– عادة معظم الفنانين التشكيليين الذين يقصدون أوروبا للدراسة يتجّهون إلى فرنسا، في حين أنك غرّدت خارج السرب وذهبت إلى مدريد بالرغم من صعوبة اللغة، هل فُرِض هذا الأمر عليك أم أنه اختيار عن دراسة وقناعة بأن المدرسة الإسبانية ذات شأن في إرضاء طموحك الفني؟
الضيف: هناك قناعتان تزاوجتا مع بعضهما البعض، الأولى قناعة مادية إذ أن تكاليف الدراسة في كل أوروبا كانت بقيمة مئتي وخمسين ليرة في الشهر في تلك المرحلة باستثناء إسبانيا، ولم يكن لدي إمكانية دفع سوى مئة وخمسين ليرة في الشهر، فقالوا لي أن مدريد تستقبل الفقراء، والثانية قناعة معنوية حيث أن التعبيرية الإنسانية الرائدة والمتطورة والمبتكرة نشأت وأنشأت لها تياراً ما زال يتردد صداه حتى اليوم في إسبانيا، والذي أُنشئ على يد الفنان العظيم “فرانشيسكو جويا” وبدافع من هاتين القناعتين ذهبت إلى مدريد مسلّحاً بمئة وخمسين ليرة في الشهر وليس أكثر بُغية التماس مع التعبيرية الاجتماعية التي أشعر أنني ولدت فيها وأحمل هويتها ومتزيّن بزيّها أيضاً.

– قد يكون الإسبان أقرب لنا كشرقيين من الفرنسيين؟
الضيف: لا، لكن الإسبان شعب أكثر رومانسية من سواه.
– هل هناك اختلاف بين المدرسة الفرنسية والإسبانية؟
الضيف: بدون شك هناك اختلاف، فالمدرسة الإسبانية أكثر ذاتية وهي أقرب إلى نفسها، بينما المدرسة الباريسية هي عبارة عن عملية توليف من كل بقاع الدنيا من حيث اللوحات، أي أنك تجد في فرنسا تيارات عالمية ليست فرنسية ولا يعنيها أن تكون فرنسية أكثر من أن تكون مدينة جامعة لكل تيارات الفنون أو أعمال الفنانين في العالم، فهذا الكمّ الهائل والمتنوع من الفنون في باريس جعل منها مدينة أُممية فنياً، أي أنها تجمع هذا التنوع العجيب الغريب، وأنا شخصياً لم يكن يعني لي هذا الأمر، حتى لو كان باستطاعتي أن أدفع مئتي وخمسين ليرة كنت سأختار إسبانيا، لأنه في إسبانيا لديهم صفاء داخلي وهم ملتزمون بهذا الصفاء لدرجة أنهم يتمتعون بمصداقية اتصف بها كبار الفنانين هناك منذ القرن الرابع عشر أو الخامس عشر وحتى اليوم، حتى حين يرسم الفنان الإسباني لوحة ذات نزعة حداثوية، إذا قمت بعملية تحليل لها تجد في داخلها تعبيرية إنسانية، وهذا ما أبحث عنه عادة في العمل الفني مع احترامي وتقديري لتجارب الآخرين، حتى لو لم تمِت للإنسانية المباشرة أو بالرمز لشيء معين.

– من الملاحظ أن لوحاتك يغلب عليها طابع الحنين، يعني دائماً هناك حنين للمكان، حنين للشكل الهندسي إن كان على مستوى البيت أو الشجرة أو حتى على مستوى الأزياء إذا صح التعبير، هناك إحساس دائم بوجود هذا الحنين، من أين اكتسبت هذا الحنين؟ لماذا يأخذك الماضي دائماً أكثر من الحاضر؟
الضيف: أنا لا يأخذني الماضي، لا بل أُحضر الماضي على الحاضر، لأنني إنسان لديه رغبة دائمة بديمومة الحياة والأماكن والأزمنة والإنسانية، وهذه الديمومة في الحقيقة هي بحد ذاتها عمل يخترعه الحنين، إذ أنه لا يستطيع أحدٌ ما أن يؤكد ديمومة هذه الأمور، فالأماكن تتغير والإنسان يتغير وكذلك الزمان يتغير، لكن مهمة الفنان الحقيقية هي أن يضع الزمان والمكان والإنسان على خطوط التماس مع الحاضر، بحيث أنه حين يتطلع الإنسان لعمل فني يشعر فجأة أن الإنسان تكدّس في الزمان والمكان، طبعاً كل شيء متباعد وهذه المسافة إذا شعرت بها بإمكانك أن تسميها الحنين.

– هل هناك مسحة حزن في هذا الحنين نتيجة للتجربة التي مررت بها، خاصة أنك ابن تجربة مريرة في هذه الحياة، إذ أنك عاصرت الأزمات اللبنانية كما عاصرت الصراع مع العدو الإسرائيلي وتذوقت مرارة التهجير، هل كان لهذه الأزمات أثر على شخصية اللوحة لديك؟
الضيف: لقد ولدت في بيئة فيها الكثير من الكآبة والحزن، وإذا أردنا الحديث عن البيئة الإسلامية التي نشأت فيها، حيث كان للشعر حيزاً كبيراً بينما كان الرسم ممنوعاً، فكان الشعر يُصوّر لي نفسه ويُهيء لي خيالات للرسم، أي أن الشعر كان مسؤولاً على أن يُولّد ذاته لدي وفي ذات الوقت كان يولّد اللوحة المتخيلة، الحزن هنا مرتبط بالوعي لأن حزني ليس برخيص بل هو غالي جداً لدي، فنحن نمر بالأشياء مسافرين، نحن نعيش المستقبل مسافرين، قد يقول من يستمع إلى حديثي ما هذه الروح المتشائمة التي لديه، وأنا لست متشائماً بمقدار ما أنا أُكبر حزني، وبما أن هذا الحزن مسؤول عن قلقي أصبحت أحترمه أكثر، أحترمه كحزن مولّد للقلق وأحترم القلق لأنه يولد الإبداع، فالقلق يبعث على الإبداع عند الإنسان الذي يبحث عن موقف جدي في هذه الحياة، لأنه ليس هناك وعي خارج القلق ولا قلق خارج الوعي، وأتكلم هنا بالمعنى الحضاري للنفس المثقفة أو للروح المثقفة أو المبدعة، فلذلك تجدني دائماً ميالاً لأن أكون مهاجراً، مهاجراً بالتاريخ حيث أقطع أشواطاً كثيرة إلى الوراء، لأنني أُطالع التاريخ كمادة هي في روح الأجواء التي نعيشها.

– برأيك كم هو صادق هذا التاريخ؟
الضيف: بالحد الأدنى صادق بمقدار ما أتلمس شظاياه وبقاياه وآثاره، مصداقية التاريخ هي أن تلمس تفاعلاته وآثاره في كل شيء أنت تعانيه في الحياة، هذا هو التاريخ، أما التاريخ الكاذب لا وجود له من الأصل وبالتالي ليس له أثر، تماماً كشخصية راجح الذي يهددون العالم فيه ولكنه غير موجود.
– مع أن راجح هو المسيطر اليوم على وعي وفكر ووجدان معظم هذه المساحة من عالمنا الذي تكلل بهذا الكمّ من الشظايا وسفك الدماء على أرصفة الشوارع دون أي فائدة، وقد يكون هذا جزء من صراع ثقافي آن الأوان أن يتحمّل إثمه كل مثقف تخلى عن كسر مشهد راجح من وعي الناس.
كم هي قدرة الفن التشكيلي على لعب دور في إعادة حركة الوعي إلى مكانها الصحيح؟
وهل هذا النوع من الفنون له دور أم أنه لإرضاء الذات وإرضاء المتلقي عبر عرض هذه اللوحة بجماليتها اللونية فقط؟
الضيف: الإنسان غير منفصل عن ثقافته وليس مقسوماً عليها، لكن الفرق هنا بين إنسان يتمسك بهذا الشق الذي هو وليد معه واسمه ثقافة، وإنسان آخر متخلٍّ عن هذا الشق، أي أن هناك توأمة إما أن يتنكر لها الإنسان أو يتمسك بها ويؤكد على توأمتها معه، حين يعتبر الإنسان أن الثقافة هي توأم الحياة الحقيقية وكل ما يرشح ويصدر عن هذا التفاعل ما بين الإنسان وثقافته يُحتَرَم بالتأكيد سيؤدي إلى مجتمعات قادرة على صنع أحلامها وعلى تفعيل قيمها وحضورها الخَيّر في التاريخ، أما حين يقف الإنسان متنكراً لهذه التوأمة تكون السخافة بديلاً عن الثقافة، هنا يستحضرني قول لجبران خليل جبران “لكم لبنانكم ولي لبناني” أتأمل لبنان الذي تنكّر له جبران خليل جبران أجده ذلك ال”لبنان” السخيف، لبنان الذي تسعى فيه السلطات إلى تسخيفه، ليس هناك أسهل من أن يرمي إنسان حبراً على طقم أبيض، لكم لبنانكم ولي لبناني، أنا أنتمي إلى لبنان جبران ولا أنتمي إلى لبنان الآخر، أنتمي إلى لبنان المثقف لا إلى لبنان المُسخّف، ومن الضروري هنا أن أؤكد لك علاقتي بالتاريخ، حين أرى أنه منذ العصر الجاهلي لغاية اليوم هناك جاهلية تُبدل أقنعتها تارة بأخطر مما كانت عليه وتارة أخرى بأقل سوءاً لتنقلب إلى أشد سوءاً مما كانت هي عليه، فإذاً كان جبران مُحقاً حين قصد بذلك ال”لبنان” بأن لبنانه لبنان الإبداع والخلق، لبنان الفكر والثقافة، لبنان التطلُّع إلى نشوء أمة تأكل مما تزرع وتلبس مما تنسج، أما أمة تجعل دينها وديدنها هذا الراجح فللأسف راجح كان حلماً لكنه أصبح كابوساً، وكابوساً قاتلاً لا ينتهي بمجرد أن تستيقظ، فبالتالي أرى أن الفن في المرحلة الحاضرة التي نحن فيها يُقدّم لهدفين، أولاً، إشباعاً لروح الفنان لأنه مضطر أن يُعبّر عمّا يختلج في داخله، ثانياً، لأن الفن يحمل رسائل، مثلاً أنا سمعتك لحّنت وغنيّت للشاعر الأستاذ محمود شعبان، هذا التواصل وهذه الدائرة من الشعر والموسيقى والغناء هي رسالة وصلتني من جانبكم جعلت من نفسي أكثر هدوءاً ونقاءاً وأكثر شفافية، لكن هل كل الناس إذا سمعوا ذلك سيشعرون بهذا الأمر ويتلّمسون الهدف من هذه الرسالة!! ليس ضرورياً البحث عن البث، بل دائماً علينا البحث عن التلقي، أيّ كيف يتلقّانا الآخرون.

– برأيك هناك أزمة متلقي على كل المستويات الثقافية؟
الضيف: بدون شك هناك أزمة متلقي، أولاً لأن الإبداع يحتاج إلى نوع من التأمل، أي أنه يجب إيجاد مسافة ما بين المُبدَع ومتلقي الإبداع، وهذه المسافة تتطلب وقتاً، وعلى المبدع أن يكون لديه طاقة خلاقة كبيرة بحيث أنه يُقنع إذا قام بعمل جيد أن يصل إلى الآخرين، والمتلقي بدوره يجب أن يكون مزوّداً بثقافة تُمكنه أثناء تلقي العمل الإبداعي من أن يكون هاضماً لهذا العمل، فحين يلتقي الفنان المُبدع والعمل المُبدَع في ظل متلقٍّ مُربكاً لا يعرف إذا كان عليه أن يسعى إلى تحصيل الخبز أم إلى تحصيل المعرفة، تكون المشكلة اليوم في هذا الشرخ العامودي في حياة الإنسان الذي يسعى إلى الارتزاق والكد والكدح وحين يصل إلى حيث يجب أن يصل كمتلقٍّ للإبداع يكون مرهقاً.
– ونتيجة هذا الكمّ من الضغط الذي يتعرض له يصل مشوش الأفكار وتختلط عليه الأمور.
الضيف: هذا هو المقتل الحقيقي للذائقة الموجودة اليوم عند الناس. وهنا أودّ العودة إلى توصيفك لي بالمخضرم، حسناً فالمخضرم عادة يجب أن يكون لديه هذا الكمّ الإحصائي، أي أنني كيف كنت أرى الإقبال على الفن ما قبل العام 1975- وما بعد هذا العام المشؤوم، يمكنني القول أننا كفنانين نغرّد أحياناً لأنفسنا.

– مع هذا الكمّ الهائل من الشجن والآمال والطموحات نتمنى أن يحمل الغد معه قوس قزح من الألوان لهذا العالم العربي عوضاً عن هذه اللوحة السوداوية.
أستاذ حسن كيف تستعمل اللوحة في حياتك؟ هل هي مرآة لأيامك؟ هل هي خارج عن هذا الوصف؟ وكيف تبدأ عملية الإبداع والخلق لهذه اللوحة؟ وما الذي يستفزك؟
الضيف: يستفزني الإنسان الذي هو حولي، أنا لست فناناً يعيش على كوكب آخر، كما أنه لم يعد هناك أبراج عاجية، لأنه حتى الفيلة تم القضاء عليها، أنا رجل أنغمس في مجتمعي وأتغلغل في ناسي، صحيح أنني لست محاوراً للناس لكنني عن طريق المراقبة والتأمل أرى دائماً هذا الإنسان المُنكسر والمتعَب، الإنسان الذي يسعى إلى التحلل من أثقاله، فالإنسان يعني لي لأنه هو العامود الفقري في لوحتي، وحين أرسم أعبر الطريق فيأخذني مشهد الإنسان الذي يحمل على ظهره ما هو مستحيل لإكمال الطريق مع ما يحمل، هذا المشهد يجعلني أشعر وكأنني أنا الذي يحمل معه أو عنه، هنا أتخيل أننا معاً سيزيف، هذا الإنسان الذي لعنته الآلهة فأجبرته على أن يحمل الصخرة من أسفل الوادي إلى القمة ومن ثم يرميها ليعود ويحملها مرة أخرى، فالهمّ الإنساني يعني لي لأنني لست مُجنّحاً، ولا يمكنني أن أجلس لأرسم تفاحة وإبريق وغيره، أي أنني لست قاصداً أن أكون فناناً زخرفياً، أنا أدخل إلى محترفي وفي داخلي آلاف الرؤى والمواضيع والصور، صور الناس الذين أمشي وأتحرك بينهم، حتى حين كنت أستاذاً في الجامعة كنت أرى هذه العذابات التي كانت تطال الإنسان وبذات الوقت كنت أحاول البحث عن الفرح داخل القلق، هذا الفرح بالنسبة لي هو أن أُلبس الهمّ الإنساني ثوباً من الفرح لأنه دائماً يكون الشيء ونقيضه في الحياة.

– لذلك نجد دائماً في لوحاتك هذه المساحة من التناقض الذي يجمع فصول الحياة.
الضيف: هذا الذي أطلق عليه حضرتك اسم قوس قزح، لأنه لا بد من أن نهب الحياة ما افتقدته الحياة فينا ونُلبسها هذا اللون الزاهي والمُشّع لكي نسكب في نفوس الآخرين شيئاً من الأمل، لأن الألوان الجميلة والحارّة والمضيئة كالأحمر والأصفر والبرتقالي والأبيض حينما تدخل على اللوحة القاتمة تشعر وكأنك أضأت المدينة من بعد ظلمة، أي أنك أوجدت فيها نقاطاً للأمل لعلها تساعد الإنسان الذي يمشي في الظلمة ليصبح النور أمامه، هذه المهمة فيها شيء من الرسولية والطوباوية، ولقد اعتدت أن أكون مُبشّراً بالأمل لكن بعد تشخيص الألم.
– وما زال لديك إمكانية التبشير بالأمل رغم كل هذا الذي يحصل حولنا؟
الضيف: الآن أشَدّ، لأنه كلما اشتدت العواصف كلما جعلت الجدران أكثر سماكة لحماية هؤلاء الناس الذين هم في الداخل كي لا تأخذهم العواصف إلى حيث تريد، ومن جهتي أحاول أن أقول للناس أنه ما زال لدينا شيء من الرقي يجب أن نُنمّيه عبر سماع الشعر الصحيح ومعرفة أن هذا شعراً، والإستماع إلى الموسيقى الحقيقية ومشاهدة المسرح الحقيقي وكذلك المنحوتة والعمارة واللوحة.

– هل ما زال هناك مساحة حقيقية للوحة وللعمارة ولكل ما ذكرته أمام هذا الكمّ الهائل من فوضى الفنون ومُدّعي الفن؟
الضيف: ما من أحد يجد حبة اللؤلؤ على الشاطئ، عليه أن يغطس ليجدها، هذه الحقيقة موجودة لكنها تُكلّف جهداً، بمقدار جهدك لإيجاد حبة اللؤلؤ بمقدار ما يسعدك لقاؤك بها، دائماً ثمن سعادة الحضارة هو بمقدار تعبك للوصول إليها، فالمساحة موجودة ولكنها تحتاج إلى الكثير من البحث.
– هناك سؤال يراودني دائماً، القضايا الكبرى التي كان يحملها كل إنسان مبدع نلاحظ أنها استُبعدت إن لم تكن قد سقطت، وأعني بالقضايا الكبرى تلك التي على مستوى القضايا المصيرية في المنطقة، كالصراع مع محتل أو لأجل قضية اجتماعية كبيرة أو اقتصادية أحياناً، ففي فترة من الفترات كنا نرى ونسمع رأي المثقفين في مكانه الصحيح باتجاه هذه القضايا، وكانوا يدفعون الثمن أحياناً من أجل رأيهم أو لوحتهم أو قصيدتهم، برأيك هل ما زال المثقفون والمبدعون في هذه الأيام يحملون تلك القضايا أم أن الرقم قد أخذهم على حساب القضية؟

الضيف: هناك كلمة مهمة جداً لغاندي يقول فيها: “الناس يصلون بكثرة حول السلطة لكنهم يقلّون حين يصلون إلى الوطن” …لكن أي سلطة! اليوم حين أجد أن صوتي هو صرخة في وادي، وذلك لأن أول عمل تقوم به السلطة المتسلطة هو فصل الصدى عن الصوت، فهي تقوم بعملية بتر، فأي صدى وأي كلمة تصدر أو أي عمل واعٍ من مبدعٍ واعٍ، لا وجود لصداه أبداً، لأن الصدى مقطوع، تقطعه السلطة بهمجية الفوضى الصوتية، بحيث لا يصل هذا الصدى نقياً للمستمع، وبالتالي لا يمكن للإبداع أن يصل لأن السلطة المتسلطة تريد أن تزرع مهمتها، التي، هي عبارة عن اليأس في نفوس هؤلاء المبدعين عن طريق التجويع والإذلال والتبعية وفرضها عليهم، وعن طريق جرّهم وراءها لكي يحصلوا على أبسط المغانم وأقلّها شأناً كي لا يموت أحدهم جوعاً، ويضعون الفنان تحت رحمتهم بحيث يصبح عمله حسب الطلب إذ أنه يقع تحت شرط إن لم تفعل كذا فأنت لا وجود لك ولا مكانة ولا رسم ولا قيمة، هذا الإذلال المفعول فعلاً أي المقصود فعله، هذا ما يُشكّل خطراً اليوم ولا يتجاوزه إلا كبار المبدعين الذين لديهم هذا الاعتزاز بالحرية الشخصية والذي يعي أنه كمبدع أهمّ وأطهر وأغلى وأعلى شأناً من هذا المتسلط مهما بلغت دناءة سلطته، لكن هذا الإيمان كم مبدعاً يملكه ..!!
وفي هذا السياق أذكر أن شارل ديغول كان يصطحب معه المفكّر المهم والعظيم أندريه مانرو وكان قد أعطاه آنذاك وزارة استشارية، وكان ديغول إذا أراد الذهاب إلى مؤتمر زراعي أو اقتصادي أو صناعي يأخذ معه أندريه مانرو، في أحد الأيام قالوا لديغول نحن نعلم أن أندريه مانرو رجل مثقف وعظيم ولكن لا دخل له في السياسة لماذا تحضره معك إلى هكذا مؤتمرات وتضعه في هذه المواقف، فأجابهم ديغول قائلاً: أنا أصطحب معي أندريه مانرو لكي ينقذ السياسة من سخافتها ودناءتها حتى يكرّرها وينظّفها ويصنّفها ويقدّمها لي بشكل صحيح، وذلك لكي لا أخطئ في الحكم.
اليوم كم رجلَ سلطةٍ في العالم يصطحب معه أندريه مانرو!

– هناك الكثير من رجال السلطة، ولكنهم يضعون أمثال أندريه مانرو وراء الغيمة.
الضيف: ليتهم يضعونه وراء الغيمة أفضل من أن يصبح تحت التراب.
– مع الأسف الشديد.
هل ترى أن الإعلام منصفاً لحركة الفن التشكيلي أو لحركة الوعي في هذا الزمن؟ وكم يساهم دور الإعلام في هذه الحركة سلباً أو إيجاباً؟
الضيف: عدم إعطاء مساحة للثقافة هو عمل ضد هذه الحركة سواء كان بحسن نية أو بسوء نية، لأن هذا الخطأ بحسن نية يساوي الخطأ بسوء النية.

– النتيجة واحدة دون الإعلان عن الهدف.
الضيف: نعم النتيجة واحدة، مثلاً أنا اليوم متتبع للأنشطة الثقافية عبر المحطات، مع احترامي وتقديري للمحطات التي تعطي حيّزاً للثقافة وإن كان قليلاً، هناك برنامجان أو ثلاثة يمرون أمامي وأحاول أن أرصد أهمية الحوارات من مع من وما هي المواضيع التي تُطرح، فأجد أن هناك إساءة للثقافة في كل المحطات، وإساءة متعمدة خاصة حين يكون المُحاوَر مبدع متمرد وهم لا يريدونه كذلك، هم يريدون منه أن يقول لهم نعم سلفاً على أي طرح يعني يجب أن يعدهم بأن النعم موجودة وحاضرة على أي سؤال ولا مكان لقول لا، بدون شك هذا زمن التسيُّب القيمي، واليوم لم نعد نشاهد برامج تهتم بالثقافة كمفهوم تربوي توجيهي ونقدي حقيقي وإعطاءه أهمية كنشاط روحي ونفسي وعصبي، لأن الفن هو واحد من أهم الأنشطة العصبية عند الإنسان، الفن نشاط عصبي يؤكد المختصون دوره في هذا المجال، فحين نغرق ببرامج بكل أسف حتى الجاهلية إذا رجعنا لها أو أتينا بها إلى هنا على ما في الجاهلية وعلى ما ذمّ الله الجاهلية وأتباعها وأعرابها، أعتقد أنه في بعض الأماكن سيقولون دعنا نبتعد عن هذه البرامج لأن فيها من التشويه ما لا يرحم، فحين تشوّسه فناً تكون كمن ينحر أو يقتل ويغتال صاحبه.

– للأسف هذا صحيح.
قبل انتهاء الوقت، هل أنت مطمئن على الحركة التشكيلية تحديداً في لبنان على مستوى المعارض والفنانين من الشباب الصاعد في عالم الفن التشكيلي، هل هناك طاقات تجعلك تشعر أن هذا الإرث ممكن تركه لهؤلاء الشباب لكي يكملوا هذه المسيرة أو أن صخب هذه الحياة وما تفضلت به أثّر سلباً على الطاقات الشبابية الإبداعية؟
الضيف: معهد الفنون الجميلة بفروعه الأربعة إلى جانب باقي الكليات في الجامعات الخاصة يضخ عدداً من طلاب الفنون وهذا عمل جيد جداً، وبمقدار ما هو جيد بمقدار ما هو خطير، وهو جيد لأن هذه الدراسة تُبيح هذا الاختصاص لكل إنسان يريده، أي أنه لم يعد محظورا.
– وقد يكون مرتبطاً بالإبداع وبالموهبة.
الضيف: وخطورته أن هذه الحرية المطلقة المعطاة لطلاب الفنون، قد تجد أحياناً سيرة حسنة لاستعمالها، أي أن هناك حُسن تدبير لعجن إمكانياتها حيث تجد هناك فنانين يحترمون عملهم ويدركون كيفية عملهم ويقدرونه كما يقدرون مسؤولية العمل الفني، لكن تحت مظلة هذه الحرية أيضاً هناك من يستسهل الأمر ويعتبر أن أي عمل يقوم به يجب أن يلقى معجبين.

– تماماً كما كل القطاعات حيث تجد دائماً الجيد والسيء.
الضيف: لكن الوضع جيد، فالحركة التشكيلية في لبنان على ما هي عليه ما زالت تُطمئن، فأنا أرصد مواهب متعددة في صالات العرض وفي المعارض العامة أرى أنها ستُثبت نفسها إذا أُعطيت الفرصة وهُييء لها المناخ المناسب.
– مع الأسف الوقت مرّ سريعاً مع حضرتك وعلى أمل أن نكمل هذا الحديث في لقاء آخر، أشكر حضورك على هذا اللقاء الذي كنت من التوّاقين له.
الضيف: وأنا أيضاً أشكركم على هذا البرنامج الذي هو فعلاً برنامج ثقافي.

– كل الشكر لك أستاذ حسن جوني على هذه اللوحة التي قدمتها لنا اليوم والتي أضأت بها على مكامن الظلم والظلام الذي يتعرض له عالم الفن والإبداع.
لمتابعة الحلقة مع أستاذ معهد الفنون الجميلة الفنان التشكيلي ” حسن جوني “
رابط صفحة اليوتيوب لبرامج ” د. وسام حمادة ”
https://www.youtube.com/channel/UC0AuXJduId6PcXIkK9x1phw/videos
متابعة وإشراف: سهام طه
إعداد وتقديم: د. وسام حمادة
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
