في زمن العولمة والإعلام المرتهن وترسيخاً لمفاهيم الثقافة والمعرفة الراقية والتي تعيش غربتها القاتلة تعيد مجلة كواليس وموقعها الإلكتروني نشر لقاءات ثقافية وسياسية كان قد أعدّها وقدّمها لفضائية الإتحاد الإعلامي، د. وسام حمادة عبر برنامج 24 / 24
ولقاء العدد مع: النائب اللبناني والوزير السابق، والكاتب السياسي ” د. عصام نعمان”
عنوان الحلقة: ” النزاهة والسياسة “
أغنية بعنوان: ” فيق يا مواطن “
كلمات الشاعر: ” حسين حمادة “
ألحان وغناء: ” د. وسام حمادة ”

الأغنية:
فيق… فيق يا مواطن طلع الحلم كابوس
فيق… فيق يا مواطن الفيقة شكة دبوس
ذنبك إنك لبناني من أكتر من عشر سنين
خلقت وبعدك بتعاني عايش ع حد السكين
فيق اطلع احكي أصرخ للعالم سمّع صوتك
عبّر عن حالك عن غضبك عن تعبك عبّر عن موتك
طالب لا تسكت عن حقك لحقوقك فجر صوتك
فيق… فيق يا مواطن فيق… فيق يا مواطن
ما دام بقبرك ساكن والحاكم ع الكرسي ماكن
ما في شي رح يتصلّح فيق يا مواطن
لا تنام مَلو عيونك وتكحل بالعتمة جفونك
والله خابت كل ظنونك لما عمرك صار ديونك
فيق… فيق يا مواطن فيق… فيق يا مواطن
لا تشريع ولا مرسوم القوانين عم بتدوم
وحدك يا مواطن مظلوم ساكت رح تبقى محكوم
حكومة ومجلس نواب واحد طنش واحد غاب
براسك بتدّق بواب حياتك هم وعذاب
فيق… فيق يا مواطن فيق… فيق يا مواطن
فيق… فيق يا مواطن.

– أحييكم عبر برنامج 24/24 حيث نسعى من خلاله لترك بصمة بيضاء في عالم مليء بالتناقضات السياسية والثقافية عكست واقعاً لا نُحسد عليه من المحيط إلى الخليج حتى أصبحنا لا نميز بين دولة ودولة إلا بمقدار أزماتها ومآسيها.
ليس لضيفي اليوم أي حضور للذّات الفردية وتفاصيلها، رغم كل هذا العطاء والتعب من أجل وطنه وناسه، دخل الحياة السياسية من بواباتها النظيفة وكان شريكاً لضمير لبنان الرئيس سليم الحص، عايش النضال السياسي والأمني بوصفه أحد مؤسسي الحركة الوطنية المستقلين إبّان الحرب الأهلية، ناضل بشرف من أجل لبنان وعروبته، واليوم وحتى لحظة هذا اللقاء ما زال ضيفي يناضل دون كللٍ أو مللٍ من أجل لبنان وفلسطين ومن أجل العرب والعروبة، لا يجد حرجاً في دخول صفوف العلمانيين، كما لا يتحرّج في الابتعاد عنهم عند اللزوم، وله بهذا المعنى صفات لاعب الشطرنج فيتمثل دور البيدق أو القلعة أو الفارس ليختصر كل زمان ومكان وكلام وسياسة في رقعة شطرنج وهمية لا يلاعبه فيها أحد والهدف دائماً الربح من أجل مصلحة الناس.
أهلاً وسهلاً بك معالي الوزير والصديق الدكتور عصام نعمان.
الضيف: أهلاً بكم.

– تعددت الصفات ولكن قد تكون أجمل صفة وجدتها وأحببت أن أعبّر بها عن حضورك الذي زين هذا اللقاء، وهي السياسي النزيه، لأنه مع الأسف باتت كلمة سياسي في هذا الزمن وخاصة في العالم الثالث والعالم العربي أصبحت مرادفة لعمل سلبي، فأهلاً بك أيها السياسي النزيه.
ولكن سنبدأ هذا اللقاء بتقرير أعددناه حول سيرة ومسيرة ضيفي العزيز معالي الوزير الدكتور عصام نعمان.
التقرير:
دكتور في القانون، محامٍ بالاستئناف، وزير سابق للاتصالات، كاتب ومعلّق سياسي، إنه عصام نعمان، من مواليد صيدا عروس الجنوب اللبناني، يعمل في الحقل العام منذ سن الفتوة مساهماً في مختلف الأنشطة الوطنية والنقابية في لبنان والمبادرات القومية في الوطن العربي، فاز نعمان بالنيابة عن بيروت عام 1992، وتولى عضوية لجنة الخبراء المكلفة بتعديل ميثاق جامعة الدول العربية عام 1990، كما تولى منصب وزير الاتصالات في الحكومة اللبنانية عام 1998، ورئيس المجلس المركزي للحركة الوطنية للتغيير الديمقراطي منذ العام 2010، وضع نعمان مشاريع عديدة للبلد أهمها: قانون جديد للجنسية، قانون للانتخاب، قانون الأحزاب والجمعيات، بالإضافة إلى مشروع دستور جديد للجمهورية، وضع لمساته في السياسة كما في الكتابة، فهو مؤلف للعديد من الكتب في مختلف حقول القانون والسياسة أبرزها: كتاب إلى أين يسير لبنان، أيّة ديمقراطية أيّة وحدة، والعرب والنفط والعالم.
تربّى نعمان على تعريف الحياة السياسية بوصفها أسراراً محجوبة عن العام، وتعريف اللغة السياسية بوصفها بلاغة اللفظية، وتجريداً ذهنياً ممتنعاً عن فهم الجمهور، ولا تكون شؤون السياسة والحال هذه قابلة للتداول، ولا يكون رجالها قابلين للعلنية في حياتهم وسِيَرهم، هذا هو عصام نعمان.

– مجدّداً أرّحب بك معالي الوزير عصام نعمان أهلاً وسهلاً بك مرة ثانية.
الضيف: أشكركم وأهلاً بكم.
– في البداية سؤال من وحي المقدّمة الغنائية، برأيك ما زال الوقت طويلاً حتى يستيقظ هذا المواطن؟
الضيف: في بادئ الأمر أريد أن أُعلّق على فكرة البرنامج.
– يسعدني ذلك.
الضيف: إدخال الموسيقى في صلب البرنامج مقاربة جديدة لم نعهدها من قبل ونرجو التوفيق، ولكن عندما كنت تغني وتعزف قصيدة للشاعر حسين حمادة تذكرت قولاً معروفاً مفاده أن الموسيقى العربية طرب، والموسيقى الغربية إيقاع، وسياستنا الحاضرة بكل مآسيها لا يمكن أن تكون أو تُشكّل طرباً، فهل تراها تُشكّل إيقاعاً لأولئك المتضررين من هذه السياسة والسياسيين.
– على أمل أن يتم ضبط الإيقاع في وجه هذا النشاز السياسي.
الضيف: نرجو ذلك.

– على كلٍّ هذه شهادة نعتز بها وإن شاء الله نكون عند حسن الظن، وهي محاولة لإيصال الصوت ولترك بصمة، كما أننا مؤمنين بأنه لا يمكن فصل الحياة السياسية عن الحياة الثقافية، وهذا جزءٌ من مأساتنا في العالم العربي تحديداً والذي أوصلنا إلى الخيبة، إذ أن هناك دائماً جانباً كبيراً من الحياة السياسية مشوّهاً لدرجة افتقدنا فيها الثقة، وقد عكست نفسها على الثقافة حيث تمّ تشويه الجزء الأساسي من الحياة الثقافية.
الضيف: كما أنّ هناك بُعداً آخر وهو ضحالة الثقافة عند معظم السياسيين.
– هذه أكبر مأساة للأسف.
الضيف: هناك قلة بين السياسيين ممن يتمتعون بثقافة غنية، فثقافة معظمهم سطحية، وهذا ينعكس على تفكيرهم وتدبيرهم.
– وأصبحنا نرى ذلك على أرض الواقع مع الأسف، لأن هذه الحالات لا بدّ من أن تعكس ذاتها وتصبح أمراً واقعاً.
عوداً على بدء، الذي يتابع حركتك السياسية يشعر دائماً وكأنك في اليوم الأول من العمل السياسي وأنت المخضرم. هل ما زلت مؤمناً بهذا المواطن؟ وهل صحيح أن هذا المواطن يحتاج إلى من يقوم بإعادة إيقاظه على مستوى الوعي والثقافة والسياسة؟
الضيف: أولاً لا أعتبر نفسي منخرطاً في العمل السياسي بقدر انخراطي بالعمل الوطني، ذلك أنه عندما جرى إسقاط لائحتنا السياسية في العام 2000 وهي لائحة الرئيس سليم الحص وكان رئيساً للحكومة، ولعلها المرة الأولى في عالم العرب الذي يجري فيها إسقاط رئيس حكومة في الانتخابات، ومع ذلك تقبّل ذلك رغم التزوير والمال السياسي وغيره.

– وكانت فضيحة آنذاك.
الضيف: كانت فضيحة كبرى، وقد تقبّل الرئيس الحص الموضوع، إنما قال وجاريناه في قوله والتزامه – أنه من الآن وصاعداً لن نعمل في السياسة وقد أضحت على النحو المُخجل الذي انتهت إليه، إنما سنعمل وننخرط في العمل الوطني، طبعاً قد يعتقد البعض أنه ليس هناك من فرق بين الإثنين، نعم هناك ذلك الفرق الواسع، وهو أن العمل الوطني يتعلق بقضايا وطنية عامة تهم الجميع وتعمل لمصلحة الوطن والأمة، في حين أن السياسة تنطوي على الكثير من المصالح والمنافع الخاصة، أما بالنسبة للمواطن، ألاحظ كما غيري أن المواطنين بصورة عامة غير مكترثين، هم في حالة سكون وسكينة وجمود، ولا ينفعلون بالأحداث بما يؤدي إلى المطالبة بحقوقهم، هناك جمود وقعود، ولهذا الواقع أسبابه وهي أسباب قديمة ومتجددة، ومع ذلك أعتقد أن المثقف الملتزم والمناضل الوطني، ولا بأس من القول المناضل السياسي، محكوم عليه بسبب القيم التي يعتنقها ويلتزمها، وكذلك محكوم عليه أن لا ييأس وأن يُثابر على العمل، ومن أهم الأعمال التي يمكن أن يقوم بها المناضل الوطني والمثقف الملتزم توعية الناس على حقوقهم وأحياناً على واجباتهم.

– ولكنني عبر مراقبة متواضعة جداً أرى أن المواطن العربي بشكل عام واللبناني بشكل خاص يدرك تماماً واجباته حتى أنه يبالغ أحياناً بهذه الواجبات اتجاه زعيمه، بينما هو بعيد كل البعد عن المطالبة بحقوقه، وإذا راقبنا الصالونات أو سيارات النقل العام أو في أي مكان تجد أن كل مواطن لبناني عبارة عن كتلة سياسية متنقلة ويُنظّر ويُقدّم مشاريع لحلول، أحياناً تتخطى حتى حدوده الجغرافية، ومع ذلك تجده أمام أي انعطاف مطلبي يتعلق بحياته الخاصة وليس بحياة جاره يتراجع لأجل هذا الزعيم أو ذاك تحت شعارات هو نفسه يرفضها داخل الجدران الأربعة، هل هذا مبني على تراكم وعي سلبي أم أن هناك تلك الكارثة الإنسانية التي أُطلق عليها الطائفية والمذهبية، وهي اللاعب الأساسي في حياة كل مواطن لبناني، وللأسف اليوم برزت على الساحة العربية؟
الضيف: سبب ذلك ليس تراكم وعيٍّ سلبي، على العكس إنه تراكم لاوعي وهو بالضرورة سلبي، السبب الأساسي في ذلك برأيي هو الثقافة السائدة، والتي هي ثقافة الطاعة، الطاعة للزعيم أو لرئيس القبيلة أو للسلطة وغير ذلك، ثقافتنا بصورة عامة تقوم على أساس التقليد الجامد والسلطان الجائر أو السلطة الجائرة وتَقبُّل الهيمنة الأجنبية، وهناك حقيقة يجهلها الكثيرون، ليس بين الناس فقط بل حتى بين المسؤولين، صدّق أو لا تُصدّق، أن تاريخ العرب عمره من عمر الإسلام باعتبار أنه قبل الإسلام لم يكن هناك من وحدة عربية ومن هوية عربية، كان هناك أعراباً وليس عرباً، عمر الإسلام ألف وأربعمائة وأربعة وثلاثون سنة، ومن هذه السنوات حكم العرب حكاماً أجانب لمدة ألف سنة، فأول رئيس عربي لمصر هو جمال عبد الناصر، وقبل عبد الناصر كان هناك العائلة المالكة، فاروق وقبله أبوه الملك فؤاد وإلى آخره، وصولاً إلى مؤسس العائلة محمد علي باشا وهو ضابطاً ألبانياً في الجيش العثماني، أصله ألباني وكان في الجيش العثماني وعُيِّن والياً على مصر، وقسّ على ذلك، ألف سنة حكم منها المماليك ثلاثمائة وخمسين سنة وهم تُرك وكُرد وكُرش، وحكم الأتراك العثمانيون منها أربعمائة وخمسة عشرين سنة، ثم هناك حكم الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي وإلى آخره، وجميعهم تعاقبوا علينا، والحقيقة هذا يطرح سؤالاً.

– وسؤالاً مهماً جداً.
الضيف: كيف يمكن أن تتقبّل الذات العربية هذا الكمّ من الحكم الأجنبي، البعض كان يقول أن هؤلاء كانوا حكاماً مسلمين وبالتالي تقبّلهم العرب.
– طالما أن هناك عرباً مسلمين لماذا لم يحكموا!!!
الضيف: طبعاً، وقبل الأربعمائة سنة فقط التي حكمنا في أثنائها أنفسنا حَكَمَنا حكام وخلفاء عرب مسلمون، ويقول البعض بما أن الدولة كانت إسلامية والحاكم مسلم، فهذا جعل المواطن العربي يتقبّل هذا الحكم، ولكن أي إسلام كان لدى هؤلاء الحُكام، إنه إسلام سطحي بالكامل.
– ونتائجه نشاهدها الآن.
الضيف: وما زلنا إلى الآن، فعلاً هذه نقطة تستوجب الدرس والتمحيص برأيي، وبالتالي اقتراح بل اجتراح مناهج للخروج من هذه الثقافة التي أُسميها ثقافة الطاعة.

– طبعاً هذا يتطلب عمل مؤسساتي، كما أعتقد أن هذا العمل يحتاج إلى جهد أكثر وأهم من انتظار الحاكم نفسه ليُقدّم هذا الحل على طبق من السياسة مرصّع بالنزاهة.
الضيف: طبعاً يتطلب عدة أمور أولها القضاء على الأُميّة والتعلُم والتثقُّف، والثقافة في النهاية هي نقد، عندما تكون مثقفاً تستطيع أن تلاحظ وأن تنتقد.
– ولكن هناك الكثير من المثقفين قد أُطلقت عليهم صفة المثقف لحُسن حظهم وسوء حظ الثقافة.
الضيف: هؤلاء قد يكونوا متعلمين ولكن ليس بالضرورة أن يكونوا مثقفين، فهناك فرقاً إذ أن الثقافة أوسع وأعمق بكثير من مجرد التعلُم.
– ومع ذلك كل هذا يسقط، حتى المتعلم الذي يملك هذه الشهادات والكثير من الأوراق التي يُنسّقها في مكتبه أو في صالونه، في لحظة تاريخية عند أي احتكاك تراه يعود إلى المنطق الطائفي ويصبح أشرس بكثير ممن هو غير متعلم، لأنه يعتقد أن لديه إمكانية الحجة وأنه مُتَملّك للنص، وحقيقة أن جزءاً من هذه المعاناة الرئيسية اليوم ليست مع عامة الشعب، بل هي مع معظم هؤلاء من حملة الشهادات، الذي في لحظة تاريخية يكون متنوراً وحضارياً وأنه على مستوى أممي ودولي، وإذا به يسقط عند أي حراك طائفي وعند أي خطاب تحريضي ويصبح كأي أحد لم يمسك القلم في حياته.
الضيف: أعتقد أن معظم هؤلاء الذين تشير إليهم هم متعلمون أكثر مما هم مثقفون، والتعلُّم قد يجعلك قادراً على فك الحرف في القراءة والكتابة، ولكن ليس بالضرورة أن يُتيح لك أن تُثقف نفسك وأن تطّلع أكثر، الثقافة أوسع بكثير من ذلك، وقد يتحدثون عن مثقفين ربما هم في الغالب الأعمّ متعلمون، والمتعلم غير المثقف ثقافة عميقة يُماشي الثقافة السائدة وهي التي تخدم ثقافة الطاعة.

– صحيح، ويصبح جزءاً من هذه المنظومة.
الضيف: أي أنه ينتسب بثقافته إلى القطيع، وشعوبنا بصورة عامة ما عدا الشعب المصري الذي لديه تجانس اجتماعي، فمصر وحدها شعب وباقي العرب مجموعة طوائف مثل لبنان، أو مجموعة طوائف وعشائر مثل سوريا، أو طوائف وعشائر وقوميات مختلفة مثل العراق، وربما يمكننا القول أن تونس والأردن يقتربان قليلاً من مفهوم الشعب المتجانس، إنما أكثر الشعوب تجانساً هو الشعب المصري.
– ومع ذلك هناك محاولات حثيثة لضرب هذا التجانس.
الضيف: هناك محاولات لتقسيم وتفريق الجميع، وهذا بحث آخر ولكنني أتحدث من حيث التركيبة، الشعب المصري أقل تعددية من غيره فهناك مصريون مسلمون وأقباط مسيحيون، ولكن لديهم نسيج اجتماعي واحد، لا يتمايزون كثيراً عن بعضهم، يعني إذا لم يكن أحدهم متميزاً باسمه المسلم أو المسيحي لا يمكنك أن تُفرّق، في حين أن الوضع في لبنان مختلف جداً وحتى في سوريا.

– مع أن سوريا كانت ظاهرة بالنسبة للمناخ اللاطائفي.
الضيف: وستبقى، لدى سوريا طوائف أكثر من لبنان، ولكن هناك رابطة قومية هي العروبة، وعروبة سوريا غير عروبة أي قُطر عربي آخر، عروبة سوريا راسخة وكأنها حاجة في العمق للتوحد بسبب التعدد الموجود فيها.
– برأيك ألمّ تتلاشَ هذه العروبة لدى المواطن السوري بعد هذه الأحداث في سوريا؟ فاليوم المواطن السوري يستشعر ويتساءل مباشرة هل كان من الضروري أن ندافع عن هذا المفهوم العروبي إلى هذا الحدّ وندفع ثمنه نحن كمواطنين سوريين.
الضيف: في الحروب بصورة عامة وخاصة الحروب الأهلية ذات الطابع الطائفي أمر طبيعي أن يتفكك المجتمع، أو أن تحاول جهات عديدة الضرب على العصبيات المذهبية وغيرها، ولكن ما تمر به سوريا الآن هو الاستثناء وليس القاعدة.
هنا سأعود إلى الوراء، حين حاول المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو سنة 1920 بعدما استتب الأمر للفرنسيين بعد انهيار السلطنة العثمانية، قام الفرنسيون بتقسيم بلاد الشام إلى خمس دول، لبنان والذي كان في الأساس متصرفية تابعة مباشرة للباب العالي في اسطنبول، والمتصرفية عبارة عن جبل لبنان، من أعالي بشري إلى جبل الريحان أو مزرعة دمشقية على نهر الليطاني، وبالمناسبة الهرمل كانت تابعة للمتصرفية لا لشيء إلا لأن وجهاء وإقطاعيو جبل لبنان كانوا يملكون أراضٍ فيها، لبنان كان جبل لبنان أي أنه متصرفية، أما بيروت والساحل من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب والبقاع كانت كلها تابعة إما لولاية بيروت أو لولاية دمشق، فإذاً أُنشأت دولة لبنان الكبير وضُمّ إليها البقاع والجنوب والشمال وإلى آخره، أقاموا دولة حلب ودولة دمشق ودولة جبال العلويين ودولة جبل الدروز، قسّموا بلاد الشام إلى خمسة دول وكانوا قبل ذلك قد سلخوا شرق الأردن عن ولاية دمشق التي كانت تابعة لها.

– يعني الذي يتم التخطيط له اليوم هو إعادة لهذا السيناريو تقريباً.
الضيف: هناك محاولة وأنا أعتقد أنها ستفشل بالنسبة لسوريا، لأن رابطة العروبة قوية فيها وما يحصل هو ظرفاً إستثنائياً وسيتمكن السوريون الوطنيون العروبيون من تجاوزه.
– بالعودة إلى لبنان، من الصعب اليوم وصف المشهد اللبناني، إذ أن هذا المواطن اللبناني الذي مارسوا عليه كل التجارب الإنسانية من حياة ملؤها العتمة والشُح حيث الانقطاع الدائم للكهرباء وللمياه، بالإضافة إلى وضع الطرقات السيء وضرب المؤسسات التعليمية والصحية، واليوم توجت الحياة السياسية لبنان بإغراقه بهذا الكمّ الهائل من النفايات والذي تنبعث منه رائحة صفقات أشد قسوة من رائحة النفايات بحد ذاتها، ومع ذلك نجد أن القوى السياسية حتى هذه اللحظة تستطيع أن تسيطر سيطرة شبه تامة على هذا المواطن الذي يرزح اليوم تحت وطأة صيف حار مُشبع بالروائح التي لا توصف، وسابقاً قيل: (نيال لعندو مرقد عنزة بلبنان) اليوم أعتقد أنه حتى الذي لديه مرقد عنزة في لبنان جعلوه يندم.
برأيك إلى متى ستبقى هذه الحياة السياسية في لبنان متمكنة لهذه الدرجة؟ وأنت من الذين أعلنوا صراحة ودعوا إلى العصيان المدني السلمي، أي متى سيتحرك هؤلاء الناس باتجاه هكذا فعل حقيقي يؤثر على الحياة السياسية؟
الضيف: لبنان في أزمة وأزمته مزمنة، أزمة كينونة، أي أنه عندما أُنشئ وتطور وفق نظام طوائفي وفي ظل ثقافة الطاعة التي تحدثنا عنها والسائدة أيضاً في دول عربية أخرى، عندما تكون الطائفية سائدة وثقافة الطاعة سائدة فيسهُل على الزعماء والمتزعّمون أن يتحكّمون، هذا النظام الطائفي لم يُنجب دولة ولم يؤسس دولة، إذاً لا دولة في لبنان، في لبنان نظام، والنظام عبارة عن آلية لتقاسم المصالح والمغانم والنفوذ بين أركان شبكة سياسية فهي ليست طبقة ولم ترتقِ إلى مستوى طبقة، هي شبكة سياسية مؤلفة من متزعِّمين في طوائف، – ولا أقول زعماء – ورجال أعمال وأموال يتعاطون السياسة، ومتنفّذين في القوات المسلحة، لبنان نظام وليس دولة، هذا النظام ترهّل وأصبح عملياً في حالة عجز، والحاصل الآن هو أن الشبكة السياسية المستفيدة والمتحكّمة بهذا النظام رغم كل ترهله تريد وتمارس سياسة التمديد لهذا الوضع، التمديد لوضع العجز؟

– كما مدّدت للمجلس النيابي تمدد لواقعها السياسي.
الضيف: من 429 يوماً ليس هناك رئيساً للجمهورية، لم ينتخب مجلس النواب رئيساً، منذ عشر سنوات ليس هناك موازنة، منذ سنة 1996 ليس هناك سلسلة رتب ورواتب للموظفين والمعلمين والعسكريين.
– والجميع اتفق على المعلمين والعسكريين، ومجلس نواب ممدد لنفسه.
الضيف: مجلس النواب انتهت ولايته منذ سنتين ويُمدّد لنفسه، عدة وظائف من الفئة الأولى وقادة أمنيين انتهت ولايتهم ويمددون لهم، هذه الشبكة الحاكمة تحاول التمديد لنفسها إلى ما شاء الله، هذا الأمر لم يعد يُحتمل، المفروض على الشعب المتضرر من هذا الوضع أن ينتفض.
في تاريخ لبنان حصل ثلاث انتفاضات فقط بسبب الوضع الطائفي، أي أنه أصبح هناك جمهور عابر للطوائف يُشكّل ليس أقل من ثُلثي أبناء الشعب وينتفض، فلقد انتفض سنة 1943 حين قامت حكومة رياض الصلح بتقديم طلب لمجلس النواب بتعديل الدستور وإسقاط صلاحيات المفوض السامي الفرنسي ووافق مجلس النواب عليه، حينها قامت سلطات الانتداب الفرنسي باعتقال رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء و… و وضعوهم في قلعة راشيا، فقامت قيامة الشعب اللبناني لمدة أسبوع تقريباً وكانت كافية لإطلاق سراحهم ولتكريس تعديل الدستور والاستقلال، هذه كانت المرة الأولى.
المرة الثانية كانت حين أراد رئيس الاستقلال الأول بشارة الخوري أن يُغنّي موال التجديد، أقاموا انتخابات في العام 1947 شهيرة، أي أنها كانت بالغة التزوير إنما أتى بالنواب الذين يقومون بتعديل الدستور من أجله، عدّلوا له الدستور سنة 1949 وجدّدوا له ولاية جديدة، من العام 1949 إلى العام 1952 كان يزداد السخط في النفوس وتعتمل الثورة في صفوف الناس وانفجرت سنة 1952 وبدأت الإضرابات والتظاهرات، فطلب الرئيس بشارة الخوري من قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب أن يتدخل ويفتح المحلات ويواجه المتظاهرين فرفض ذلك، فاضطر إلى تقديم استقالته.

– برأيك في تلك الفترة كانت الحياة السياسية قادرة أيضاً أن تلعب هذا الدور؟ وكان هناك القوميون والقومية العربية، أم أن تحرك الناس – هي – بحد ذاتها؟
الضيف: الأهم من هذا أنه تَكَوّن جمهوراً عابراً للطوائف، أكثرية لا تقلّ عن ثلثي الشعب اللبناني في هاتين الانتفاضتين.
والمرة الثالثة كانت في العام 1958 حين أراد الرئيس كميل شمعون أن يُغرّد ويُغني موال التجديد أيضاً، حيث أجرى انتخابات في العام 1957 وكانت انتخابات مزورة أيضاً، أُسقط فيها زعماء كبار راسخون في العمل السياسي مثل كمال جنبلاط وصائب سلام وأحمد الأسعد وغيرهم، وأتى بنواب مهيؤون وملتزمون تعديل الدستور ولكن قامت قيامة الشعب فاضطر إلى صرف النظر عن مسألة التجديد، والنواب الذين جيء بهم من أجل تعديل الدستور لمصلحة كميل شمعون هم أنفسهم الذين انتخبوا اللواء فؤاد شهاب قائد الجيش رئيساً للجمهورية.
اليوم نحن بحاجة إلى تكرار هذه التجربة.

– ولكن هذه التجربة تحتاج إلى زعماء.
الضيف: المسألة تتطلب تكوين جمهورٍ عابرٍ للطوائف، أي أن يحدث حدثاً معيّناً يؤدّي إلى ردة فعل اتجاهه من قِبَل الناس؛ فيتكوّن جمهورٌ عابرٌ للطوائف، أزعم حالياً أن هناك حدثاً سيتأتّى عنه تكوين هذا الجمهور وهو مسألة النفايات لأنها تمسّ صحة الجميع.
– الكهرباء مسّت صحة الجميع والمياه كذلك ولم يبق شيئاً لم يمسّ بصحة الجميع ولم نشهد تكوين معبرٍ ضيّقٍ للعابرين بل على العكس إلى الخلف نحو متاريس الطائفية.
الضيف: ليس بهذا القدر.
– على أمل أن يخلق هذا التكوين، وأنا أعلم أنك من العاملين ليلاً نهاراً على خلق هذا المناخ العابر للطوائف.
لأن الوقت يداهمني أودّ أن أُسلط الضوء على أمرين، أحدهم أنك من الناس الذين سافروا وحملت راية الأسير جورج عبدالله أمام المنابر الدولية، ألا يشعر المواطن اللبناني بنوع من الإنسانية اتجاه أن يكون مواطناً أنهى محكوميته – مهما كانت الصفة – بدولة يتغنى بها معظم اللبنانيين بأنها ديمقراطية، ومع ذلك يُعتقل هذا المواطن اللبناني منذ أكثر من ثلاثين عاماً بعد أن أنهى محكوميته ولا نجد أي جهة تتحرك إلا على المستوى الفردي، كما تقوم حضرتك مع اللجنة أو على المستوى الشعبي.
الضيف: فعلاً الأمر مؤسف، الحكومة بل الحكومات المتعاقبة لم تفعل شيئاً قط، مع أن محامي جورج ابراهيم عبدالله السيد “موريس ” وقف أمام المحكمة وقال للقضاة في ملف الدعوة طلب من وكالة الأمن القومي الأميركي بأن يستمر اعتقال جورج ابراهيم عبد الله، وعليكم كقضاة أن تمزقوا هذا الطلب، ومع ذلك فرنسا خاضعة للولايات المتحدة وخاصة في قضايا الأمن، هنا في لبنان هذه المسائل معروفة ومع ذلك الحكومة بل الحكومات المتعاقبة لم تفعل شيئاً من أجل هذا الرجل، وحسب القانون الفرنسي ممكن العفو عنه بعد أن قطع الخمسة عشرة سنة واختصار محكوميته، وبالفعل صدر قرار من المحكمة المختصة بذلك وطلبت السلطات الفرنسية من السلطات اللبنانية تأمين جواز سفر له، لأنه وفق القانون الفرنسي إما أن يُبقى عليه في فرنسا ويكون تحت الرقابة أو أن يُرحّل إلى بلده، فالظاهر كان باتجاه ترحيله إلى بلده، طلبوا من الحكومة اللبنانية تأمين جواز سفر له وتم ذلك ولكن الولايات المتحدة رفضت وطلبت من الحكومة الفرنسية الإبقاء عليه مسجوناً، بحجة أنه قائداً ثورياً، وطبعاً هم يسمون كل ثوري إرهابي، وأنه إذا ما عاد إلى لبنان فممكن أن يكون له دوراً راديكالي، ورضخت الحكومة الفرنسية لذلك.

– من المؤسف أن هذه الحكومة اللبنانية أو هذا الطقم السياسي الذي ينتقده كل اللبنانيين ليلاً ونهاراً وفي النهاية هم أنفسهم يصفقون لذات الشخص ويختلفون على ذات الشخص ويتخاصمون فيما بينهم حتى يعيدوه إلى ذات المكان الذي كانوا قبل فترة بسيطة ينتقدونه ويقومون بالمشاكل لأجل وجوده.
الضيف: هذه ثقافة الطاعة السائدة، لذلك يجب اغتنام هذه الفرصة النادرة والتي هي مسألة النفايات من أجل تكوين جمهورٍ عابرٍ للطوائف يُطالب بقانون انتخاب على أساس التمثيل النسبي وإجراء انتخابات حتى إن وصل الأمر إلى حدود العصيان المدني وليس انقلاباً عسكرياً.

– لهؤلاء الناس الذين يصفقون، وقد آن الأوان ليعوا ويكونوا عابرين لكل الزعامات، بحيث يمكنهم أن يضعوا الورقة الصحيحة في صندوقة الاقتراع، وأن لا يُصفقوا لأنهم فقط يجب أن يُصفقوا سنقول لهم من كلمات الشاعر حسين حمادة “بتزقفوا”
القصيدة:
بتزقفوا إن قالوا يالله يا شباب
بتزقفوا لو سكروا عليكن بواب
بتزقفوا لو سكروا المدرسة ومزقوا لكتاب
بتزقفوا ورغيفكن حقو العذاب
والمصيبة بعدكن بتزقفوا
ولك كرمال الله وقفوا
بتزقفوا للفاجر ياكل مالكن
بتزقفوا ما حدا بيهتم لحوالكن
بتزقفوا إن ارتاح أو مشغول بالكن
والمصيبة بعدكن بتزقفوا
ولك كرمال الله وقفوا
بتزقفوا علسعة الكرباج وع خشيش الدف
بتزقفوا بمظاهرة وعرقابكن في كف
بتتظاهروا ضد لبأول صف
وأنتوا لكل الصف عمّا تهتفوا
والمصيبة بعدكن بتزقفوا
بتزقفوا خوت ع ورقة الصندوق
بتنزل لوايح حسب سعر السوق
بتزرق النمر وجنابكن بتزرق
بيكبر الباطل وبينطفي الحق
وما بتعرفوا مرة تقولوا لاء
والمصيبة بعدكن بتزقفوا
ولك كرمال الله… كرمال الله… كرمال الله وقفوا.
الضيف: جميل جداً

– مرة أخرى أقول أنه بات من الوجب أن لا تُصفقوا لأيٍّ كان.
أشكر ضيفي معالي الوزير عصام نعمان الذي أغنى اللقاء برؤيته وجرأته.
لمتابعة الحلقة مع النائب اللبناني والوزير السابق، والكاتب السياسي ” د. عصام نعمان”
رابط صفحة اليوتيوب لبرامج ” د. وسام حمادة ”
https://www.youtube.com/channel/UC0AuXJduId6PcXIkK9x1phw/videos
متابعة وإشراف: سهام طه
إعداد وتقديم: د. وسام حمادة
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
