شُعلة التضحية,انشودة التفاني

قراءة في لوحة الأم للرسّام الألماني العالمي فريدريش ادوار مرياهم (1879-1808)

بقلم الدكتورة بهيّة أحمد الطشم

لقد أنهك التعب ملامح الأم المُرهقة والبهيّة في آن وهي في طريق العودة الى منزلها بعد يوم عملٍ شاق في حقلها وهي تبحث عن رمق العيش ومحاربة الظروف البائسة لاقصاء شبح العَوز أو الحاجة للآخر.
ترتسم الهموم على قسَمات وجه نجمة اللوحة وهي المُثقلة بالهموم والأحمال المادية والمعنوية في آنٍ معاً.

 

تبدو أميرة اللوحة منمّقة بجواهر التضحية وكأّنّها محفوفة بأجنحة غير منظورة ,وترتقي عن مفهوم الأنوية في رحلتها الى مدينة اطمئنانها حاملةَ شُعلة التضحية الى أبد الدّهر.
ولا غرو, فالأم المتفانية هي مدرسة القِيم والمبادىء,ونستذكر حِيال ذلك قول جبران خليل جبران,الأديب والفيلسوف المتأثّر بوالدته شديد التأثّر ,اذ ينضوي معنى قوله حِيال الأمومة:”بأنّ الأم كلمة صغيرة,كبيرة مملوءة بالأمل والحُب وكل ما في القلب من الرّقة والحلاوة,هي الرجاء في اليأس,القوة في الضعف,والذي يفقد امّه يفقد صدراً يسند اليه رأسه ويدأً تباركه وعيناً تحرسه.”
واذا ما غدَرَ بنا العالم بأسره,يبقى شخص واحد فيه بمنأى عن الغدر:”الأم” التي تقدّم الحُب المجاني على طبقٍ من الاهتمام والاحتضان ابّان سيرورة الوجود.
وبالعودة الى الأيقونة التي رسمتها ريشة المبدع العالمي فريدريش ادوار مريهم,فهي تترجم الاحساس الراقي للرسّام المُرهف الذي نقل مشاعر الانسانية ازاء سيّدة الحُب الأولى (الأم) عبر الخطوط والألوان في لوحة خالدة تُبهر الأنظار وتخطف العقول بتأثير سِحرها.

وفي السّياق ذاته….تبرز في خلفيّة الأيقونة الحقول والمروج الخضراء,اذ تخرج الأم من عملها الشّاق في الأرض,وهي تحمل السّلال :واحدة في يدها اليمنى,وكذلك تحمل السّلة الكبيرة التي ينام فيها الطفل على ظهرها الذي ينحني قليلاً ,ولكنّ الجبين بقيَ مرفوعاً كأدلّ دليل على عدم الرضوخ لألم الاحتياج للغير.
وبالعودة الى حنايا اللوحة,ينام الطفل الوسيم على كتفيّ أمّه بأوج الاطمىنان وهي التي حبكت السّلة الكبيرة في ذراعيها بأحزمةِ متينة وبطريقة بارعة كي تحتضن طفلها وتتحسّسه في كلّ الأوقات,ولكي لا تمارس عملها المُضني بمنأى عنه. ولا غرابة في ذلك,لأنّ التفاني ساطع من لَدُن الأمومة…
وفي سِياق استقراء فلسفة الألوان تطغى الألوان الدافئة والمتوّهجة في أرجاء الأيقونة,حيث يعكس الأحمر في قميص الطفل وهج العاطفة الوقّادة.
وينمّ الأبيض عن النقاء المتناثر ألقاً في زوايا اللوحة,وكذلك يتموّج الأخضر بعمق البهاء,وكأنّه يختصر حدائق الأشجار برمتها في لوحة.
ونستذكر بصدد ذلك قول المفكّر(لورين ايزله) :”انّ الدماغ الانساني سريع التلف وهو يستمدّ طاقته بفعل الورقة الخضراء.”
ويتوهّج الأصفر سُطوعاً في حنايا السّلال الزاخرة بمعاني العطاء والتفاني….
ولعلّنا نلتمس في وضعيّة حركة اليدين ,حيث تحمل السلّة في اليد اليُمنى ببالغ الحذر,وكذلك وضعيّة حركة اليد اليسرى التي تسند السّلة فيها بفائق الجهد و ينام فيه الطفل فيها قرير العينين.
ها هُنا يبرز الاختصار لقِيم معاني التضحية والتفاني في العالم بأجمعه.
ونستحضر بصدد ذلك قول نابليون بونابرت في هذا الصّدد حين قال:”الأم التي تهزّ المهد بيسارها,تهزّ العالم بيمينها.”

اذاً,لقد أنهت الأم المُكافِحة عملها في الحقل وهي في طريق العودة الى منزلها لتمارس عملها الآخر في التدبير المنزلي ورعاية عائلتها بجدران قلبها.
وفي اطار استكمال قراءة خلفيّة اللوحة,تدلّل الشجرة الباسقة على مبلغ الشّموخ المنضوي في لدُن المرأة الجبّارة في سبيل العيش بكرامة وبعيدً عن شظف العيش .
وهكذا,فقد رسمت ريشة الرسّام العالمي هذه اللوحة المُزدانة بألوان الحُب والعاطفة,وهوالذي درس في أكاديميّة الفنون وأصقل موهبته ببالغ الجهد.
وكان قد ترجمَ احساسه المُرهف ازاء معاني الأمومة عبر عدّة لوحات,ولكن هذه اللوحة التي نحن بصددها برزت بجمال منقطع الشبيه سيّما في الأفكار الاستثنائية التي تنطوي عليها ,وقد عبّرت عن غيض من فيض الحُب اللامتناهي في زمن الكراهية المتعددة الوجوه والألوان.
وختاماً, نلتمس حكمةً ساطعة ,مفادُها أنّ الأم المتفانية هي روح الحياة وملاكها الحارس ,وهي التي جعلها الله أماناً لنا من مآسي الحياة برمّتها.

شاهد أيضاً

الشيخ عبد ربه علي مسعد محي الدين أبو ياسر من الوجوه المعروفة في مديرية الشعر بمحافظة إب.

*الشيخ عبد ربه علي مسعد محي الدين أبو ياسر – مديرية الشعر، إب* نعم، الشيخ …