الصيدلي د. طريف رضا “سمفوانيةُ الدواء في عقرِ الداء”:

د. عباس وهبي

 

رحل رائدُ الصيدلة في النبطية، ومضى على جانحين من الوفاء والمحبة … هو حفيدُ الجدّين يوسف بك الزين ، والعلّامة الشيخ الأديب والشاعر والمؤرّخ أحمد رضا، هو ابن الدكتور محمد علي رضا، وزوجته السيدة وحيدة يوسف بك الزين، هو نصيرُ الحبّ الذي توّجه بزواجه من حبيبة قلبه ديانا فمضى أجمل أيام عمره معها حتى آخر لحظة.. هو الصيدلانيُّ الذي جندلَ العلّة بإكسير عِلْم الجندلةِ ، و تقطير النبات كي يغدو عطرها وزيتها بلسماً، وسحر العقاقير ، وارتقاء العقل حتّى الاندماج مع الروح العلوية… هو الطريفُ الظريفُ المتواضعُ ، ابنُ الأصول ، المتقنُ للّياقة، الرافلُ بالصداقة ، والوفاء ، والنبل…
طريفٌ أيّها الرجلُ العفيف ، الغصنُ الريّان العابقُ بعطر الخزامى ، الحاملُ لرسالة علم الصيدلةِ التي ازّينت بالفنّ والعلم ، وصارت كحمام النبي نوح التي بشّرت بالأمل ، وأوحتْ أنّ العاصفة قد هدأتْ وأنّ الليل سوف ينجلي…
طريف لن تأتي لزيارتي بعد الآن ، ولن تتركَ وداعتك وابتسامتك تزيّنان صيدليتي ، ولن أشعر بعد اليوم بنشوة استقبال الفارس الصيدلاني الذي لم يهبْ الزمن و لم يخنع للمرض العضال حتّى آخر نهدةٍ من أوصاله المُنهكة … طريف الرجل الهادىء كصفحة بحرٍ في يومٍ مشمسٍ يتوقُ للقاءِ الباري !
طريفُ هل حقّاً رحلت ؟ وهل مثلك يفنى؟! آهٍ يا لوعة القلبِ و يا زغردةَ الفناء ! بل يا جمرةَ الحياة … أيها الزميلُ الصديق صمدنا معاً ، و قاومنا معاً ، ورفضنا وجعلنا الضميرَ سيدنا معاً !!
إلى جنان الخلد يا أغنية الشمس حين تشرق كلّ صباح ، و يا نسمة الفجرٍ حين يُداعبُ نرجسَ الفجر ِ و يوقظُ فراشات الليل من سجن العتمة كي تحوم حول قنديلك الذي يأبى أن يُغرّر بها … لقد انطوينا في صفحةِ حزنٍ ، و انثكلنا في ظلّ نبتةٍ نباطيةٍ أوراقها من نورٍ و نار ، فبان وجهكَ المضيء
منسكباً كبريق الزمرّد … وكم تفاجأت أثناء تصفحي لصفحتك بما ذكرته على صفحتي : “الشعر ليس قراراً
أو صناعة أو سجناً
إنما هو خلق وعفوية ،وولادة طبيعية و سفر وهدير نفسٍ وإبداع…”
وها أنا أقول لك وأنت في رحاب الله عزّ وجل : ” الموتُ ليس قراراً أو فناءً أو سجناً ، إنما هو سفرٌ وانتقالٌ وولادةٌ في عالمٍ آخر ، وهديرُ روحٍ
وإ حقاقُ حقٍّ ، و خمودُ شمعةِ حياة …
وما انفكّ في بالي منذُ أمدٍ سؤالٌ يقضّ مضجعي وهو: كيف يتحوّلُ الذهبُ إلى ترابٍ وكيف يتحوّلُ الترابُ إلى كائنٍ يرقى لكي يتوحّد مع نور الشمس بأحاسيسه وبذلهِ ونقائهِ حتّى يذوبُ في باريه … لا بل كيف يتحوّلُ نارُ الوجود إلى رماد ! ونتقدم بأحر التعازي من عائلته وأصدقائه وزملائه وجميع محبيه . إلى جنان الخلد يا أبا محمد

وإنّا لله وإنّا إليه راجعون

عباس وهبي

شاهد أيضاً

🛑اتفاق العار وبنود الذلة

رغم بنود الذل والعار فيما يسمى “الاتفاق الاطاري” بين الحكومة اللبنانية المتواطئة على أرض ودماء …