أحمد وهبي
في ما تلفُّ الأرض ذاتها .. الروح والشعلة والكلمة ، في ما الهمسات ساغبةُ الشّفاه .. والآنامل في إيهاب الرغبة ، في ما أدفع الحياةَ الضياء .. وأنا شائق سادن الأشواق .. من سليلها .. من دماءِ مقدّسة .. من وادٍ بذي زرعٍ أينع عشقنا ..
لطالما وقفت عند البحر .. أُداعب أمواجه ، وقلبي يلقاه قلبكِ .. حين النهار نهوضاً .. والليل سكوناً .. حين البحر في غروبٍ وشروق .. حين النجوم تعكس نورَكِ .. حين في الحلم ، في الواقع نتراءى ..
إنّ إشراقة وجهك ، ضحكة عينيكِ ، همسات روحك ، لمساتك أحبرها ، وإن أبذل دمي عمري .. عن طيب خاطر ، والمُبتغى أنتِ .. والمبتغى في أنفاسنا .. في هذا الزمن ، أحاول دفعاً درءَ الأخطار ، لكنّها خطراتُ الشّوق العشق مقتبسة من قوّةِ حُبّكِ ..
قالتِ الأعوام حكايتنا ، وفيها تدافعٌ لأخيلةِ الدّنيا ، ونحن في مشهدها .. لا نسكن ، فوق صعيد الأكوان .. ثمة حياةٌ ، كنّا دفعناها إلى الهُناك ، كمن يسعى للقيا ذاته .. ونحن من بعضنا البعض ، من شهدٍ ربانيٍّ ، وقد حملنا عناصرنا إلى محاريب الشموس ، وتلك حيوات ذكية في عامٍ طويل الأزمان والدّهور ، حيث .. أنّى انوجدنا تنهض الحياة ..
في هدوءٍ .. سحبت عن جسدي طمياً .. ناراً ونوراً ، ومن بنات الأفكار .. كلمة طيبة ، من روحي عشقي ، من عينيَّ رؤىً ، مزجتها بدمي .. فكانتْ غادةُ القلب والروح ، وكنتُ موقناً لماءٍ طهورٍ .. أرتمس به ، سادراً الذي إسمي .. لرحمة الرضاء .. والرضا حُبٌّ .. يُسكبُ على كامل الجسد ، هذا الذي تجاوز المستحيل كي يبقى ، كي يحظى بطُهر المطر الشغف بألوان الطيف والحياة ..
سكبتُ ، كم سكبتُ سنةً بعد سنةٍ .. دمعةً واحدةً عند رأس السنة ، لعلّ المقبل عام الأماني ، نالذي صدَقني وعدي في طوايا الزمانِ ، والعشق يعتصر هُيامي ، ولهي .. الذي ينبسق من عينيَّ ، وكلّ الذي مَرَّ مُرُّ .. فإذا حلَّ الربيع ، صار ربيعَنا عاماً بعد عام ..
النظراتُ .. كيف هي اشتعال ، وشعلة القلب لا تذوي ، تظلُّ خصيلاتها تتفتّح كأزهار النجوم ، ولي أقطف عنها قبلاً دافئةً لشفتيكِ حبيبتي ، وردةً لصدركِ .. فلا تذبل أبدا ، تورِقُ شمسَ فجرنا ، قمرَ ليالينا ، وكُلّي في روحكِ .. كُلّكِ في روحي ، قدرنا انصهارنا العاكس لضياء روحينا ..
وجئتُ .. ذات مساء ، وجوهٌ كثيرةٌ استقبلتني ، لكنّ وجهاُ لا أنساه ، وإذا ما اشتدّ عودي ، شدّتْ علينا النوائب ، لكنّ وجهاً في روحي وقلبي .. أبحث عنه ، والأيام الصامتة تصير سنين المنافي ، ومصباح الدّنيا استبدّ به الرحيل ، كلّما شارف على الأفول ، مُدَّ بنورِ السّماء ..
وكانت .. وكنتُ ، وكان الهوى .. فهويتُ في بئر الزمان ، وهوت غيمةٌ تسقينها كرمة المنافي ، وليس من منفسحٍ .. سواها حبيبتي ، فكرةٌ ، قطعةٌ من سماء ، نورٌ أحبرهُ .. نورٌ أعادني إليَّ إلى حبيبتي من سنينَ وسنين ..
بصوتٍ رفيعٍ قديمِ محاولات رفع الصوت ، بعينين نوّارتان فاعمتان عند شُبّاكٍّ قمريّّ .. كطفلٍ إهليليجيِّ الحبو ، وفمٍ يحاول أن ينالَ قطعةً من الشّمس ، ويدين تعانقان السّماء ، كلّما أفلتتا ، لا ترجعان بغير حبيبةٍ يضمّها صدري ..
وكنتُ طوال الليل ، ثمة ليلٌ كقطارٍ لا يتوقّف ، وليس من محطات .. سوى قوس أفلتَ سهمَ كيوبيد .. فأصابَ قلبي ، قلبي المسافر في الحنين ، أوتارهُ على باب الوقت ، لا يألو يضرب في هوايَ ، ولا جمرات تكفي شيطانَ الشّعر ، لكنّا نفتح له أبوان الأفكار والخواطر ، ماذا وقد رجمتنا الدّنيا ، ماذا عن قلبِ ينتظر قلبَهُ الضآل !! ..
تلك ، هياكل الوجود ، ينبشها أولي العلم ، أولئك الحابرون في مضاجع التاريخ ، تلك ، يأتي على اللُّقى المُهرّبون ، أذكر قلوبنا هناك ، تلك فقدنا في الدهماء ، والنصال تفري زمن الضوء ، لا اكتراثَ .. أستحضرُ روحَ ، نورَ اليقين ، وهاتي دورتنا الحياتية بكلّ الحبّ ، لا غربةَ بعد الآن ، نمضي لاكتمالٍ وكمال ..
وكذلك كانت الدّنيا .. ولم نكن ، فأدركنا بأنّها وجِدَتْ لنا ، وبأنّا حبيناها عناصرنا .. فكانت الصفات والملامح ، وتلك الملاحم العذراء تنتظر من يكتشفها ، فرُحْنا نكشف مُراداً في كلّ مَرادِ من مهامه خطونا ، ونصنع تلك الخُلطة المتشوّقة لقلوب العُشّاق ، وبعض الغسق يصطنع دماثةَ التأمّل ، فأملنا فجراً يجاذبُنا بطلاوةٍ شغفِةٍاللمسات ..
كان .. و في تالد التعاقبِ ، تواشجٌ لا ينضج بغير عناق ، وكروم تتفتّحُ عيونها ، ورموشٌ تتهادى تتصابى .. نترامى ما بين الجفون ، وشتى الأنوار تبذرُ على الوجود عصارتَها ، حتّى يغلبَ اكتمال الوالهين ، فإذا الصور تكشف عن مكنونات العشق ، عن التكوين السرمديّ لعظمة الحبّ ..
ومع هذا وذاك البريق ، فإنّ مسامات الجلود لسوف تتلافح ، وإنّ المواقد ستمتلئ بنيران العشق ، وستغمز عين الشّمس شهوات البشر ، ستدوم سهوات السماء والأرض ، وستقرع كؤوس اللظى ، وكلّما ننهض تُلاقينا قلوبُنا الذائبة كالحلوى والموسيقى والجنون ..
وكان لا أستنثني حرفاً من جَرْسِ العشق ، والحًدْسُ يُنبِئُ عن لقاءٍ حميم الأشواق ، ولسوف يقع الشائقُ فيَّ من نجمةِ الصبحِ .. إلى نجمةِ الروح ، والحجر المُثار اللواعجِ .. هو دمٌ من فئةٍ نادرة ، وآخر من زمرةٍ ومزمارٍ ومهامزَ ترمز لشيءٍ خفيف التراب ، ولأنّهُ كالغيوم الثقال ، فإنّ الألقَ يغمر ، يوشوش المدامع ، يتدفّقُ ، يبثُّ رِعشاتِ الغروب والسطوع ..
لعقودٍ .. لعقود الحُبِّ ينكسر الوقت ، وتضمحل النزوات لجلالة الحُبّ ، تُتَوَّجُ القلوب بتيجانِ مرصّعةِ القُبَل .. تلك الدُّرَر من أشهى المنامات والرؤى تُقطَف ، تلك الملذات تنساب في عروق المشاعر ، هناك ، حيثُنا ندفع العوالم بنظرةِ ولمسة ، فلا وحشة في الأكوان .. بعد الآن ، تورِقُ ، تونقُ ، تعانق الرغبات كلّ آن ..
لحظة العمر الحقيقية بسبع سماوات ، تلك التي قبّلتها قبل الوجود .. حبيبتي التي وجدتها في الحياة ، وبي اتّقاد قوى الطبيعة .. فأسلتُ عين العشق من عين القطر ، وأسلستُ للمصابيح إضاءات الأكوان .. فكانت نجوم القلب ما بين العين والحلم ..
وقد رُزِقتُ بما لا يُحصى ، لا يُعَد ، لأنها الوعد والغبطة والبهجة والحياة .. لأنها الفرح والإنتصار والذكريات ، وهي حدوثي منذ البدء .. منذ نبضِ هذا القلب ومجرى الدّم والوجود ، وبأنّي الشائق المسلوب ، بأنّها ردّتْ لي الكمال ، ملهمتي المتوّجة بعشقٍ دفينٍ في الروح ..
يوماً بعد يومٍ بعد أسفارٍ في الحياة لأجل الحياة ، ولأنّكِ المبتدا والمنتهى .. وأسمى المشاعر ، أعلى الأعماق ترفعني إلى قلبكِ المترع الجمال ، وأهمس لمذاق الشّفتين ، لعينين شغوفتين ، لشعلة البدءِ من جديد ..
المختارون .. الذين سمعوا ويسمعون نداء الروح ، كنّا معاً .. للأبد ، وليس سفراً ، مُرادُ الأرواح من مهدها ، من اكتمالنا معاً ، بغسلنا بإكسير العشق .. فكانت الأشواق والأحلام ، والدّنيا المتشاوقة إلى النعيم والسلام ..
- وفي ذلك العام الأول في الوجود .. في ذلك العام الحُبّ كان الوجود بأجمل نساء العالم ، وقد اختار القدر أن نكون .. فكُنّا ، وكانت الأسحار والرؤى المتواشجة الحنين ، كان الزمان بهذا الإتّساق ، وعند انبثاق الطلوع حقول الشّمس ، شجرة الحياة بطلاوة سِمات تفتُّحِ الألوان ..
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
