ولإنّكِ المبتدأ لعام 2022 اللامتناهي

أحمد وهبي

في ما تلفُّ الأرض ذاتها .. الروح والشعلة والكلمة ، في ما الهمسات ساغبةُ الشّفاه .. والآنامل في إيهاب الرغبة ، في ما أدفع الحياةَ الضياء .. وأنا شائق سادن الأشواق .. من سليلها .. من دماءِ مقدّسة .. من وادٍ بذي زرعٍ أينع عشقنا ..

لطالما وقفت عند البحر .. أُداعب أمواجه ، وقلبي يلقاه قلبكِ .. حين النهار نهوضاً .. والليل سكوناً .. حين البحر في غروبٍ وشروق .. حين النجوم تعكس نورَكِ .. حين في الحلم ، في الواقع نتراءى  ..

إنّ إشراقة وجهك ، ضحكة عينيكِ ، همسات روحك ، لمساتك أحبرها ، وإن أبذل دمي عمري .. عن طيب خاطر ، والمُبتغى أنتِ .. والمبتغى في أنفاسنا ..  في هذا الزمن ، أحاول دفعاً درءَ الأخطار ، لكنّها خطراتُ الشّوق العشق مقتبسة من قوّةِ حُبّكِ ..

قالتِ الأعوام حكايتنا ، وفيها تدافعٌ لأخيلةِ الدّنيا ، ونحن في مشهدها .. لا نسكن ، فوق صعيد الأكوان .. ثمة حياةٌ ، كنّا دفعناها إلى الهُناك ، كمن يسعى للقيا ذاته .. ونحن من بعضنا البعض ، من شهدٍ ربانيٍّ ، وقد حملنا عناصرنا إلى محاريب الشموس ، وتلك حيوات ذكية في عامٍ طويل الأزمان والدّهور ، حيث .. أنّى انوجدنا تنهض الحياة  ..

في هدوءٍ .. سحبت عن جسدي طمياً .. ناراً ونوراً ، ومن بنات الأفكار .. كلمة طيبة ، من روحي عشقي ، من عينيَّ رؤىً ، مزجتها بدمي .. فكانتْ غادةُ القلب والروح ، وكنتُ موقناً لماءٍ طهورٍ  .. أرتمس به ، سادراً الذي إسمي .. لرحمة الرضاء .. والرضا حُبٌّ .. يُسكبُ على كامل الجسد ، هذا الذي تجاوز المستحيل كي يبقى ، كي يحظى بطُهر المطر الشغف بألوان الطيف والحياة  ..

سكبتُ ، كم سكبتُ سنةً بعد سنةٍ .. دمعةً واحدةً عند رأس السنة ، لعلّ المقبل عام الأماني ، نالذي صدَقني وعدي في طوايا الزمانِ ، والعشق يعتصر هُيامي ، ولهي .. الذي ينبسق من عينيَّ ، وكلّ الذي مَرَّ مُرُّ .. فإذا حلَّ الربيع ، صار ربيعَنا عاماً بعد عام ..

النظراتُ .. كيف هي اشتعال ، وشعلة القلب لا تذوي ، تظلُّ خصيلاتها تتفتّح كأزهار النجوم ، ولي أقطف عنها قبلاً دافئةً لشفتيكِ حبيبتي ، وردةً لصدركِ  .. فلا تذبل أبدا ، تورِقُ شمسَ فجرنا ، قمرَ ليالينا ، وكُلّي في روحكِ .. كُلّكِ في روحي ، قدرنا انصهارنا العاكس لضياء روحينا ..

وجئتُ .. ذات مساء ، وجوهٌ كثيرةٌ استقبلتني ، لكنّ وجهاُ لا أنساه ، وإذا ما اشتدّ عودي ، شدّتْ علينا النوائب ، لكنّ وجهاً في روحي وقلبي .. أبحث عنه ، والأيام الصامتة تصير سنين المنافي ، ومصباح الدّنيا استبدّ به الرحيل ، كلّما شارف على الأفول ، مُدَّ بنورِ السّماء ..

وكانت .. وكنتُ ، وكان الهوى .. فهويتُ في بئر الزمان ، وهوت غيمةٌ تسقينها كرمة المنافي ، وليس من منفسحٍ .. سواها حبيبتي ، فكرةٌ ، قطعةٌ من سماء ، نورٌ أحبرهُ .. نورٌ أعادني إليَّ إلى حبيبتي من سنينَ وسنين ..

بصوتٍ رفيعٍ قديمِ محاولات رفع الصوت ، بعينين نوّارتان فاعمتان عند شُبّاكٍّ قمريّّ .. كطفلٍ إهليليجيِّ الحبو ، وفمٍ يحاول أن ينالَ قطعةً من الشّمس ، ويدين تعانقان السّماء ، كلّما أفلتتا ، لا ترجعان بغير حبيبةٍ يضمّها صدري ..

وكنتُ طوال الليل ، ثمة ليلٌ كقطارٍ لا يتوقّف ، وليس من محطات  .. سوى قوس أفلتَ سهمَ كيوبيد .. فأصابَ قلبي ، قلبي المسافر في الحنين ، أوتارهُ على باب الوقت ، لا يألو يضرب في هوايَ ، ولا جمرات تكفي شيطانَ الشّعر ، لكنّا نفتح له أبوان الأفكار والخواطر ، ماذا وقد رجمتنا الدّنيا ، ماذا عن قلبِ ينتظر قلبَهُ الضآل !! ..

تلك ، هياكل الوجود ، ينبشها أولي العلم ، أولئك الحابرون في مضاجع التاريخ ، تلك ، يأتي على اللُّقى المُهرّبون ، أذكر قلوبنا هناك ، تلك فقدنا في الدهماء ، والنصال تفري زمن الضوء ، لا اكتراثَ .. أستحضرُ روحَ ، نورَ اليقين ، وهاتي دورتنا الحياتية بكلّ الحبّ ، لا غربةَ بعد الآن ، نمضي لاكتمالٍ وكمال ..

وكذلك كانت الدّنيا .. ولم نكن ، فأدركنا بأنّها وجِدَتْ لنا ، وبأنّا حبيناها عناصرنا .. فكانت الصفات والملامح ، وتلك الملاحم العذراء تنتظر من يكتشفها ، فرُحْنا نكشف مُراداً في كلّ مَرادِ من مهامه خطونا ، ونصنع تلك الخُلطة المتشوّقة لقلوب العُشّاق ، وبعض الغسق يصطنع دماثةَ التأمّل ، فأملنا فجراً يجاذبُنا بطلاوةٍ شغفِةٍاللمسات ..

كان .. و في تالد التعاقبِ ، تواشجٌ لا ينضج بغير عناق ، وكروم تتفتّحُ عيونها ، ورموشٌ تتهادى تتصابى  .. نترامى ما بين الجفون ، وشتى الأنوار تبذرُ على الوجود عصارتَها ، حتّى يغلبَ اكتمال الوالهين ، فإذا الصور تكشف عن مكنونات العشق ، عن التكوين السرمديّ لعظمة الحبّ ..

ومع هذا وذاك البريق ، فإنّ مسامات الجلود لسوف تتلافح ، وإنّ المواقد ستمتلئ بنيران العشق ، وستغمز عين الشّمس شهوات البشر ، ستدوم سهوات السماء والأرض ، وستقرع كؤوس اللظى ، وكلّما ننهض تُلاقينا قلوبُنا الذائبة كالحلوى والموسيقى والجنون  ..

وكان لا أستنثني حرفاً من جَرْسِ العشق ، والحًدْسُ يُنبِئُ عن لقاءٍ حميم الأشواق ، ولسوف يقع الشائقُ فيَّ من نجمةِ الصبحِ .. إلى نجمةِ الروح ، والحجر المُثار اللواعجِ .. هو دمٌ من فئةٍ نادرة ، وآخر من زمرةٍ ومزمارٍ ومهامزَ ترمز لشيءٍ خفيف التراب ، ولأنّهُ كالغيوم الثقال ، فإنّ الألقَ يغمر ، يوشوش المدامع ، يتدفّقُ ، يبثُّ رِعشاتِ الغروب والسطوع ..

لعقودٍ  .. لعقود الحُبِّ ينكسر الوقت ، وتضمحل النزوات لجلالة الحُبّ ، تُتَوَّجُ القلوب بتيجانِ مرصّعةِ القُبَل .. تلك الدُّرَر من أشهى المنامات والرؤى تُقطَف ، تلك الملذات تنساب في عروق المشاعر ، هناك ، حيثُنا ندفع العوالم بنظرةِ ولمسة ، فلا وحشة في الأكوان .. بعد الآن ، تورِقُ ، تونقُ ، تعانق الرغبات كلّ آن ..

لحظة العمر الحقيقية بسبع سماوات ، تلك التي قبّلتها قبل الوجود  .. حبيبتي التي وجدتها في الحياة ، وبي اتّقاد قوى الطبيعة .. فأسلتُ عين العشق من عين القطر ، وأسلستُ للمصابيح إضاءات الأكوان .. فكانت نجوم القلب ما بين العين والحلم ..

وقد رُزِقتُ بما لا يُحصى ، لا يُعَد ، لأنها الوعد والغبطة والبهجة والحياة .. لأنها الفرح والإنتصار والذكريات ، وهي حدوثي منذ البدء .. منذ نبضِ هذا القلب ومجرى الدّم والوجود ، وبأنّي الشائق المسلوب ، بأنّها ردّتْ لي الكمال ، ملهمتي المتوّجة بعشقٍ دفينٍ في الروح ..

يوماً بعد يومٍ بعد أسفارٍ في الحياة لأجل الحياة ، ولأنّكِ المبتدا والمنتهى  .. وأسمى المشاعر ، أعلى الأعماق ترفعني إلى قلبكِ المترع الجمال ، وأهمس لمذاق الشّفتين ، لعينين شغوفتين ، لشعلة البدءِ من جديد ..

المختارون  .. الذين سمعوا ويسمعون نداء الروح ، كنّا معاً .. للأبد ، وليس سفراً ، مُرادُ الأرواح من مهدها ، من اكتمالنا معاً ، بغسلنا بإكسير العشق  .. فكانت الأشواق والأحلام ، والدّنيا المتشاوقة إلى النعيم والسلام ..

  1. وفي ذلك العام الأول في الوجود  .. في ذلك العام الحُبّ كان الوجود بأجمل نساء العالم ، وقد اختار القدر أن نكون .. فكُنّا ، وكانت الأسحار والرؤى المتواشجة الحنين ، كان الزمان بهذا الإتّساق ، وعند انبثاق الطلوع حقول الشّمس ، شجرة الحياة بطلاوة سِمات تفتُّحِ الألوان  ..

شاهد أيضاً

ندوة حول الانتخابات العامة كاداة للبناء الوطني والديمقراطي

جمعية الشتات الفلسطيني وتجمع عائدون بالسويد تنظم ندوه حوارية تظم كوكبه من قيادات حركة حماس …