عن غضبَة عناية عز الدين

ليست بلا مدلولات غَضبَة النائبة عناية عزالدين، بعد جلسة اللجان المشتركة لبحث قانون الانتخاب، إذ كشفت استهزاء الجسم التشريعي اللبناني بمفهوم الكوتا النسائية. هذا الخطاب الشاجب القوي، وهذه النبرة التي، لو تمتع نواب الغفلة الراهنون بالحد الأدنى من متطلبات مواقعهم، لكانت ذوّبتهم خجلاً وعاراً،.. خطاب ونبرة لم يأتيا من أي النائبات الأربع الأخريات اللواتي ما زلن في مقاعدهن، لأسباب ما زالت عصية على الفهم.

رلى الطبش، ورغم أنها عبّرت (مع النائب بلال العبدالله) في بداية الجلسة عن تأييدها للكوتا، تركت زميلتها تخوض معركة النقاش في اللجان وحيدة، حسبما قالت عزالدين نفسها. ديما جمالي، ستريدا جعجع، وبهية الحريري… صمت. فيما “استغربت”، كلودين عون، رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة الوطنية، رفض مناقشة الكوتا، وأتى استغرابها وظيفياً روتينياً، كَون الهيئة اقترحت النص التعديلي. في حين بدت تعليقات نواب ذكور، من أمثال هادي أبو الحسن، الذي أخذته الحميّة فنادى بحق المرأة في أن تكون في “المطبخ التشريعي”(!)، أكثر أصالة وصدقاً وحماسة من قناعة السيدة عون بأن الكتل النيابية ستكوّن قناعات جديدة إن شاركت في “لقاء لشرح الأسباب الموجبة للنص التعديلي”.

أسباب رفض الكتل نقاش الكوتا واضحة. لا وقت لمثل هذه “الترهات” الآن. هناك انتخابات مصيرية على الأبواب، والكل يريد تعديلات تعيد انتاج حجمه في السلطة، أو تزيده. النساء اللواتي وصلن إلى الندوة البرلمانية في انتخابات سابقة، ورثن الزوج أو الأخ، أو جئن في أزمان أقل احتداماً بالأزمات، وكنّ لمسات ترف حضري وتجميلي ما عادت تملكه الأحزاب والطوائف التي ما زالت على تحجّرها منذ الجمهورية الأولى… ومع ذلك، كان وصولهن مدعاة تفاؤل، والكوتا كانت لتغيّر، تدريجياً، طريقة وضع الأقطاب لوائح المرشحين/ات، وكذلك ممارسات الناخبين/ات للاقتراع. ويجوز الاكتفاء بما قاله النائب العَوني، آلان عون لـ”الشرق الأوسط” لفهم العقلية السائدة اليوم: “لا يكفي طرح الكوتا من دون تفصيل كيفية احتسابها وتوزيعها ضمن النظام الطائفي والمناطقي، وإلا أصبحت عملية تسيء إلى الخيارات الديموقراطية للناخبين إذا لم نقرن المعيار الجندري بحد أدنى من معايير النجاح في النتائج”!… عبارة نموذجية في التمييز والمغالطة والإسفاف السياسي، حتى من ضمن السيستم المريض الراهن للحُكم اللبناني.

أما عناية عزالدين، فشملت باستنكارها تهميش الكوتا، كتلة “التنمية والتحرير” التي تنتمي إليها. سخرت من عبارة نجيب ميقاتي عن “المرأة في القلب”. تهكمت على نائب وحيد قال “لا بأس من مناقشة الكوتا”. وأوضحت هزال حجّتي “ضيق الوقت” و”مراعاة الأقليات والعدالة بين الطوائف”.

تصرفت عزالدين، هذه المرة، كفَرد مسؤول، كنائبة حقيقية، وربما أشبه بالمستقلة، رغم أنها لم يسبق لها التمايز عن كتلتها في قرارات كبرى، لا سيما حين وقّعت على “عريضة العار” التي أُريد منها الدفع ليمثُل المدعى عليهم في جريمة انفجار مرفأ بيروت، أمام “المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء” المفرغ من أي معنى للمحاسبة، بدلاً من المجلس العدلي والقاضي طارق البيطار.

الأرجح أن جُرح عزالدين عميق، وهي التي شرحت بصراحة وعفوية كيف تم إسكاتها والقفز من فوق مداخلتها خلال نقاش اللجان، في دقائق معدودة. لقد همّشوها، صغّروا شأنها وما لديها لتقوله، بكل هدوء صلف، بكل وقاحة مَن لا إسم واحداً لهم، بل جُملة كاملة لازمة لتلقيبهم: نواب ذكوريون لبنانيون طائفيون زبائنيون منتفعون من قلب منظومة الفساد والهيمنة الفاقدة للشرعية.

الجرح الأنثوي تفوق الآن على الولاء السياسي، وحوّل عناية عزالدين من “مفاجأة نبيه بري اللطيفة” حينما أُعلن توزيرها في حكومة سعد الحريري 2016، إلى نائبة 2021 الغاضبة من أجل قضية عامة وخاصة في آن واحد.

هي التي حاول جمهور السوشال ميديا، لدى توزيرها، تعريفها أو التعرّف إليها، بنبش اسم طليقها وأخيها الشهيد، متغافلاً عن لائحة شهاداتها العالية وكفاءاتها وإنجازاتها الشخصية والأُسرية. ولدى ترشيحها للانتخابات النيابية في 2018، تندّر هذا الجمهور بمقارنتها، على معيار “الجمال”، مع المرشحة جيسيكا عازار.

وهي التي “وُصمَت” بحجابها، وأطّرها بعض التيار النسوي في صورة جامدة أحادية المنظور، كما لم تحظ من المحافظين بتعاطٍ جدّي معها ككفاءة بذاتها، قلّما توافر مثلها في “كتلة التنمية والتحرير” الرجالية منذ ولادتها. كما لمّحت أكثر من مرة، بخفر ومواربة، خلال أحاديث مع صحافيين، إلى إجابات “زملائها” النواب كلما طُرح موضوع تشريع متعلق بالمرأة أو التحرش أو تزويج القاصرات، قائلة إنها إجابات تتطلب صلابة من الزميلات المُشرّعات.

في خطابها المميز الأخير، تساءلت النائبة عزالدين، من ضمن ما فضَحت وشجَبت بكل وضوح هذه المرة، عما ستفعله النساء، مرشّحاتٍ محتملات وناخباتٍ، إزاء هذه الإهانة بنسف الكوتا النسائية من قانون الانتخاب العتيد. هل يُقاطِعن؟ هل يترشَّحن؟ وكيف؟ الترشح من خارج لوائح الأحزاب لن يكون إلا رمزياً. والترشح في لوائح الأحزاب لا يبدو متاحاً، قياساً على المزاج المُستَشَفّ من اجتماع اللجان النيابية. سؤال جوهري يضاف تلقائياً إلى أجندة المعارضة التي ما زالت مشتتة بين المقاطعة وبين المشاركة “للتغيير من الداخل”، فيما السلطة منكبّة على التمديد لنفسها. السؤال يضع المعارضين على محك إضافيّ، تماماً كما يضع عزالدين نفسها أمام استحقاق ذهابها – بخطابها وغضبها – إلى عمل ميداني من أجل هذه القضية، أياً كان موقف كتلتها وبيئتها والكثير من المغردين البشعين.

شاهد أيضاً

يوم رياضي في إبل السقي

إلين سمعان أقيم اليوم في أبل السقي يوم رياضي لهواة المشي (هايكنغ) في الطبيعة لمسافة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.