بقلم الشيخ حسن حمادة العاملي
في زمن الأزمات الكبرى، تتكشف حقيقة الأوطان وقيمة الانتماء إليها. وعندما تتعرض الدول لتهديدات وجودية، يصبح التمسك بالوحدة الوطنية ضرورة لا خيارًا، ومصلحة عليا تتقدم على كل المصالح والحسابات الضيقة. ولبنان اليوم يمرّ بواحدة من أدق المراحل في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع الأخطار الخارجية مع الأزمات الداخلية، في مشهد يفرض على الجميع تحمّل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية بعيدًا عن الانقسامات والتجاذبات.
ففي ظلّ العدوان الغاشم والوحشي المستمر الذي يشنّه الكيان الصهيوني الغاصب على لبنان، وما يخلّفه من اعتداءات على الأرض والإنسان والسيادة الوطنية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز الوحدة الوطنية ورصّ الصفوف وتحصين الجبهة الداخلية. فهذه الاعتداءات لا تستهدف منطقة أو طائفة أو فئة بعينها، بل تستهدف لبنان بكل مكوّناته، الأمر الذي يفرض على جميع اللبنانيين أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن يتعاملوا مع هذه المرحلة بعقلية الشراكة الوطنية لا بعقلية الانقسام والتنازع.
فالأوطان لا تُبنى في أجواء التحريض والكراهية، ولا تُحمى بالتراشق السياسي والإعلامي، بل بالتضامن والتكافل والتفاهم بين أبنائها. وكلما اشتدت التحديات، ازدادت الحاجة إلى خطاب وطني جامع يعزز الثقة بين اللبنانيين ويؤكد أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.
وإذا كان الخطر الخارجي يفرض علينا واجب التوحّد، فإنّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي يعاني منها اللبنانيون تستوجب بدورها وقفة وطنية جامعة. فالمواطن اللبناني يرزح تحت أعباء معيشية قاسية نتيجة الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فيما تتفاقم معاناة الناس يومًا بعد يوم وسط غياب المعالجات الجدية والحلول المستدامة.
ومما يزيد المشهد تعقيدًا استمرار الخلافات السياسية الحادة التي يسعى بعض الأطراف إلى تأجيجها وتغذيتها خدمة لأجندات ضيقة لا تخدم المصلحة الوطنية. إنّ استحضار العصبيات الطائفية والمذهبية والسياسية ولغة التخوين والتحريض لا يؤدي إلا إلى إضعاف الجبهة الداخلية وتعميق الانقسام، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى أكبر قدر من التماسك والتضامن الوطني.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل حالة التعاطي غير المسؤول التي تطبع أداء الدولة في معالجة العديد من الملفات والأزمات المتراكمة. فالمطلوب من المؤسسات الرسمية أن ترتقي إلى مستوى التحديات، وأن تضع مصالح المواطنين فوق كل اعتبار، من خلال اعتماد سياسات إنقاذية حقيقية تعالج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها، وتعزز صمود اللبنانيين في أرضهم ووطنهم.
إنّ المرحلة الراهنة تستدعي مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة الجامعة، وتؤكد أن لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا بتعاون جميع أبنائه، بعيدًا عن الانقسامات الموروثة والحساسيات السياسية والطائفية. كما تستوجب من القوى السياسية والدينية والثقافية والإعلامية أن تؤدي دورها في ترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح وقبول الآخر، ونبذ كل ما يثير الفتنة أو يهدد السلم الأهلي.
لقد أثبت التاريخ أن لبنان كان قادرًا على تجاوز المحن عندما توحّد أبناؤه حول الثوابت الوطنية، وأنّ الانقسام كان دائمًا المدخل الأخطر إلى الأزمات والانهيارات. ومن هنا فإنّ المسؤولية الوطنية تقتضي اليوم العمل الجاد على تعزيز عناصر الوحدة والتلاقي، والابتعاد عن كل ما من شأنه تأجيج الخلافات وإضعاف مناعة الوطن.
وفي هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ لبنان، لا بدّ من التأكيد أن الإنقاذ الحقيقي يبدأ من الإيمان بوحدة المصير، ومن ترسيخ قناعة راسخة بأنّ لا خلاص لفئة دون أخرى، ولا استقرار لطائفة دون أخرى، ولا مستقبل لأي فريق خارج إطار الدولة والوطن الجامع. فلبنان لن ينهض إلا بأبنائه جميعًا، ولن يتمكن من مواجهة العدوان والأزمات والتحديات إلا إذا انتصر صوت العقل والحوار والوحدة على أصوات الانقسام والفتنة.
إنّ الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الأزمات فحسب، بل هي مشروع دائم لحماية الوطن وصون استقراره وبناء مستقبله. ومن هنا فإنّ الحفاظ عليها وتعزيزها يبقى واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا تقع مسؤوليته على عاتق الجميع، لأنّ لبنان يستحق أن نجتمع من أجله، وأن نضع مصلحته فوق كل اعتبار.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
