حرب المفاهيم والصمود الثقافي.. اليمن والجمهورية الإسلامية نموذجا

 

تتحدث الأكاديمية والإعلامية اليمنية إيمان إبراهيم شرف الدين عن حرب المصطلحات في الإعلام المعاصر، ودور المثقف اليمني في مواجهة الحصار الثقافي والإعلامي، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين اليمن وإيران، وموقع المرأة الكاتبة في معركة الوعي، ومستقبل التوازنات الإقليمية في ضوء التحولات السياسية والعسكرية التي ت
وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: تشهد المنطقة تحولات سياسية وإعلامية متسارعة فرضت نفسها على طبيعة الخطاب الثقافي والفكري في العالم العربي والإسلامي، خصوصًا مع تصاعد الصراعات الإقليمية وتداخل الأبعاد السياسية والإعلامية والثقافية في تشكيل الرأي العام، وفي ظل هذه المتغيرات، برزت الحاجة إلى قراءة أعمق للمفاهيم المتداولة في الخطاب السياسي والإعلامي، وإلى فهم دور النخب الثقافية والأكاديمية في إعادة بناء الوعي المجتمعي.
وفي هذا السياق، أجرت وكالة مهر للأنباء هذا الحوار مع الأكاديمية والإعلامية اليمنية إيمان إبراهيم شرف الدين، عضو اتحاد كاتبات اليمن، للحديث عن حرب المصطلحات، ودور الثقافة اليمنية في مواجهة الحصار، وطبيعة العلاقة اليمنية الإيرانية، إضافة إلى دور المرأة الكاتبة في معركة الوعي وبناء السردية الثقافية والسياسية.
بصفتكِ أكاديمية في كلية اللغات وباحثة في الدلالات، كيف تقرئين حرب المصطلحات المستعرة في الفضاء الإعلامي اليوم بشأن الصراع الإقليمي؟ وكيف يُعاد صياغة مفاهيم مثل السيادة والمقاومة والهيمنة في القاموس السياسي اليمني المعاصر لمواجهة السرديات الغربية والخليجية التي تحاول عزل اليمن أو تصويره كتابع لطهران؟
حرب المصطلحات إحدى أهم وأخطر أنواع الحروب التي تضرب العقلية العربية والمسلمة، خاصة بما تصنعه من تشويش للمفاهيم ودلالاتها الحقيقية، الأعداء حرفوا وبدلوا المصطلحات الصحيحة بمصطلحات مقنعة، لنجدهم مثلًا يسمون المواجهة مع العدو “مقاومة” فقط، ويغيبون مصطلح “الجهاد” تمامًا، ويجعلونه محصورًا في زاوية ضيقة هي الدين، ليكون الجهاد ـ بطريقتهم ـ بعيدًا عن أمور المواجهة والصراعات الدائرة بيننا وبينهم.
حرب المصطلحات تُطبق أكثر ما يكون في الفضاء الإعلامي، حيث تُجنَّد الكثير من القنوات والإعلاميين لاستخدام وترويج المصطلحات البديلة التي توافق هوى وأهداف العدو، وفي الفضاء الإعلامي اليوم يتم ترويض الأذن العربية والمسلمة على هذه المصطلحات التي تسير في خدمة العدو ولأجل التغييب الكامل للوعي تجاه خطورته.
في القاموس اليمني تم إعادة صياغة بعض المفاهيم التي روّج لها العدو ضمن لعبة حرب المصطلحات، لنجد مثلًا مصطلح “الجهاد” يظهر بقوة ووضوح بعد أن كان مغيبًا تمامًا.
و صناعة الوعي في العقلية اليمنية تجاه حرب المصطلحات تزامنت مع حركة السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي، والذي أشار في بعض ملازمه إلى كيفية انتهاج العدو لطريقة التحريف والتغيير في المفاهيم لدى العقلية العربية والمسلمة، وذلك ضمن سياسة التدجين التي يتبعها تجاه أمتنا.
من ناحية ثانية، اليمن اليوم يعي تمامًا حقيقة لعبة المصطلحات التي تُمارس ضده وتحاول إيهامه بأنه مجرد تابع لا أكثر، ولا سيادة له ولا مقاومة، وإنما هيمنة للطرف الآخر عليه.
هذه السرديات الغربية والخليجية التي تتهم اليمن بالتبعية ليست سوى خيط من خيوط العنكبوت التي يحاول العدو التهامنا من خلالها، ولكن اليمن ـ وبفضل ثورة الشهيد السيد حسين ـ يعي تمامًا ما يختبئ وراء هذه السرديات التي يهدف الأعداء من خلالها إلى الإيقاع بين اليمن وإيران بحجة أن الأولى لا سيادة لها لأن الثانية مهيمنة عليها، وأن المقاومة هي الحبل الذي ربط اليمن وجعلها التابع الأزلي لإيران، كلها سرديات تعبر عن حقيقة حرب المصطلحات التي ينتهجها الأعداء لإضعاف وخلخلة جبهاتنا.
لطالما كانت صنعاء حاضنة للفكر العربي، واليوم تخوض حربًا عسكرية وسياسية تُصنَّف فيها في خندق واحد مع إيران ضد مشاريع الهيمنة، من موقعكِ في اتحاد كاتبات اليمن، كيف تساهم الكلمة والقصيدة والمقالة السياسية في كسر الحصار الفكري والإعلامي المفروض على اليمن؟ وهل نجحت الثقافة اليمنية في صياغة هوية صمود مستقلة تلتقي مع إيران في الموقف الاستراتيجي دون أن تذوب فيها؟
اليمن، كأي بلد في هذا العالم، واقعة ضمن تأثير حرب ثقافية عالمية يشنها العدو بقوة على الوعي والعقلية الفردية والمجتمعية.
ولكن لأن في اليمن اليوم مقومات تتشابه كثيرًا مع ما هو موجود في إيران، وتلتقي خيوط المواجهة فيها مع خيوط المواجهة في إيران، تشكلت عوامل قوة فكرية وثقافية متقاربة جدًا ومتحدة في الرؤى والأهداف، لكل ذلك تحول الواقع الثقافي اليمني من حالة الحصار المفروض عليه إلى حالة الوعي والتحرر الفكري والثقافي، الذي يمكن اليمن واليمنيين من اتخاذ القرارات وتمييز الوقائع دون قيود أو حصار على مستوى العقل والوعي، ودون الذوبان الكامل في الآخر، لأن الذوبان يعني إلغاء الوجود.
اليمن اليوم حاضرة بقوة في الساحة الثقافية العالمية بالرغم من الحصارين العسكري والثقافي، حاضرة من خلال كتابات أبنائها وقنوات إعلامها المقاوم.
من هنا كان للكلمة والقصيدة والمقالة السياسية حضورها وأهميتها، وكان للكاتب والمثقف اليمني دوره في فك هذا الحصار وتخييب آمال العدو.
تتعرض الجمهورية الإسلامية في إيران لضغوط وحروب مركبة اقتصادية وإعلامية وسياسية بسبب مواقفها من قضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين، وهو نفس الموقف الذي يدفع اليمن ثمنه اليوم في مواجهة الغرب وأدواته؟ كيف تلخصين للمتلقي العربي طبيعة الموقف اليمني من إيران؟ هل هو مجرد تحالف ضرورة فرضته وحدة المعركة، أم أنه تحول إلى وحدة مصير تؤسس لنظام إقليمي جديد؟
لأن في اليمن اليوم حركة ثورية جهادية تتحرك بقوة نحو تحقيق ما يتوافق وطبيعة الإرادة الإلهية، وهي حركة تذكرنا بحركة الإمام الحسين عليه السلام الذي خرج مقاتلًا للأعداء وناصرًا للمظلومين، وهي ذاتها الحركة الثورية التي أسس لها قادها في إيران الإمام الخميني، المدرسة واحدة والمشكاة واحدة، وعليه لم ولن يكون موقف اليمن مع إيران إلا المناصرة والتأييد، ولم ولن يكن هذا التأييد حديث اللحظة أو استجابة لضرورة استدعت إقامة تحالف بين الطرفين.
موقف اليمن من إيران يمثل وحدة مصير، حيث التقت الأهداف وتجمعت الغايات وسمت الرؤى سموًا حسينيًا علويًا لا هدف من ورائه دنيوي غير إقامة العدل وتحقيق الكرامة الإنسانية.
وحدة المصير هذه هي السر وراء كل هذا الصمود المبذول من الطرفين، اليمن وإيران، فكلاهما يناصر الآخر ويواجه نفس العدو، لتتحول العلاقة بين الطرفين من مجرد توافق وجودي إلى وحدة كاملة بين بلدين مسلمين، لكل منهما سيادته واستقلاليته الكاملة.
هذه الوحدة الكاملة هي التي ستصنع نظامًا إقليميًا جديدًا، بل إنها بدأت بصناعته اليوم.
تخوض المرأة اليمنية الكاتبة والإعلامية معركة مزدوجة، مواجهة الحرب الصلبة العسكرية والحرب الناعمة الفكرية والنفسية التي تستهدف الوعي الجمعي، كيف تنظرين إلى دور الكاتبة اليمنية في تحصين الجبهة الداخلية ثقافيًا ضد محاولات شيطنة مواقف اليمن الاستراتيجية ومناصرته لقوى المقاومة في المنطقة؟
المرأة اليمنية بشكل عام لها دور كبير ومهم اليوم فيما يتعلق بالحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وتحصينها ضد محاولات الأعداء التي تعبث بالقيم والسلوكيات المجتمعية.
اليوم يبرز بقوة دور المرأة اليمنية الكاتبة في إطار تحصين المجتمع ثقافيًا ضد محاولات الأعداء شيطنة المواقف اليمنية المناصرة لقوى المقاومة في المنطقة.
الكثير من الكاتبات والإعلاميات لعبن دورًا مهمًا في توضيح الصورة الحقيقية للمواقف اليمنية المناصرة لقوى المقاومة وإلغاء الصورة الشيطانية التي رسمها العدو لتلك المواقف.
تمثل هذا الدور من خلال الكتابة في مواقع التواصل ووسائل الإعلام المختلفة، وتكوين اتحادات نسائية مخصصة للكتابة ضمن هذا الهدف.
ولهذا الدور يعود الفضل في أن المجتمع اليمني لم يعد مجتمعًا موهومًا لا يعرف حقيقة ومبررات الموقف اليمني المناصر لقوى المقاومة، ليتحول المجتمع إلى ذات الموقف ويناصر ذات القضية.
إذا كانت الصواريخ والمسيرات اليمنية قد فرضت معادلة جديدة في البحر الأحمر وباب المندب دفاعًا عن غزة ودعمًا لمحور المقاومة الذي تشكل إيران عمقه الاستراتيجي، فكيف يمكن للمؤسسات الأكاديمية والثقافية كجامعة صنعاء واتحاد الكاتبات أن تؤطر هذا الإنجاز العسكري فكريًا لضمان عدم سرقة هذا النصر سياسيًا في المستقبل؟
النصر الذي حققته اليمن من خلال طائراتها ومسيراتها، والتي لعبت دورًا مهمًا وكبيرًا في تغيير موازين القوى وفرض معادلة جديدة، لا يمكن أن يمر على العقلية الأكاديمية المدركة لأهمية هذه الإنجازات دون الالتفات إلى تأطيرها وتحويلها إلى فرضيات استراتيجية فيما يخص عوالم السياسة والصراعات والحروب، بل وتحويل الانتصارات اليمنية إلى نظريات تقاس بها موازين القوة عند أي شعب.
كذلك فإن اتحاد كاتبات اليمن، بل وأي جهة فكرية وثقافية وإعلامية، يقع على عاتقها دور التأطير والتوثيق والعمل على حفظ الحق اليمني في النصر السياسي الذي تحقق، لضمان عدم سرقة هذا النصر سياسيًا في المستقبل.
اخيراً
في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يكشف هذا الحوار مع الأكاديمية والإعلامية اليمنية إيمان إبراهيم شرف الدين عن جانب من المعركة الفكرية والثقافية الموازية للصراع السياسي والعسكري الدائر اليوم. فالمواجهة ـ كما تؤكد الضيفة ـ لم تعد محصورة في الميدان العسكري، بل امتدت إلى ميدان المفاهيم والوعي وصناعة السرديات، حيث تتحول الكلمة إلى أداة مقاومة، والثقافة إلى خط دفاع متقدم في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستهداف الفكري.
كما يسلط الحوار الضوء على الدور المتنامي للنخب الأكاديمية والإعلامية والنسوية في اليمن في إعادة صياغة الخطاب الثقافي والسياسي، وترسيخ هوية مقاومة تسعى إلى تثبيت حضورها في معادلات المنطقة وتحولاتها المستقبلية.
/انتهى/

شاهد أيضاً

الأيتام

بقلم: أمين السكافي عاد الجنوب يتيماً. ليس يتيماً لأن أبناءه غابوا عنه، بل لأنه لم …