أدباء وشعراء

إعداد وحوار الشاعرة رانية مرعي

عمر محمد شبلي شاعر لبناني، من قرية الصويري، البقاع الغربي .ولد سنة 1944 .
رئيس تحرير مجلة “المنافذ الثقافية المحكمة”

مؤلفاته حسب ترتيبها الزمني:
سنابك الفجر: مسرحية شعرية 1968
عن الألوان وخرائط الموت شعر 1970
الشاعر السفير “دراسة في شعر أبي ريشة” نثر 1972
الأنيس نثر 1972
الدخول في زمن الجرح والذاكرة شعر 1974
أبو علي عبد الأمير حلاوي شعر 1976
اللقاء شعر 1978
قمر الجنوب شعر 1980
دمك يسهر قرب نافذتي شعر 1981
العناد في زمن مكسور شعر شعر الأسر من أوائل 1982 حتى أواخر 2000
إن الخلود متاعٌ سعره الجسدُ شعر =
الحجر الصبور شعر =
الصويري نثر 2002
الفلوجة نثر 2005
الطريق من غوانتانامو إلى “أبوغريب” نثر 2006
على أي جرحٍ توكأتَ حتى وصلت شعر 2007
تكرار تكرار المشهد عبر الخلق نثر 2008
الثقافة العربية “التحدي والاستجابة” نثر 2009
يا أيها الآتي من المستقبل 2010
حافظ الشيرازي بالعربية شعراً شعر أربعة مجلدات بين سنة 2001 و 2010
حافظ الشيرازي بين الناسوت واللاهوت نثر 2011
مرثاة الزمن القاحل شعر 2011
الحسين بن علي شاهداً وشهيدا شعر 2013
أي خبز فيك يا هذا المطر شعر 2014
شرح حكم المتنبي وإعرابها مع د لينا زيتون شعر 2015
تحت الطبع
وعورة الماء شعر شعر
ذئب يوسف شعر
مراثي الرجال شعر .

ولأول مرة التعريف عن الشاعر سيكون بقلمه الذي يسيل إبداعًا وتميزًا . حيث تتابعون مقابلة فريدة بأسلوب خاص .. أسلوب الشاعر الفذ “عمر شبلي”.

الشعر مؤرخ حقيقي، هو صدق الداخل مع الكون، إذا اختلّ تحوّلَ الشعرُ إلى تهريج .

الشاعر متمرّد على السلطة. فالقلم الذي توجهه سلطة يخونُ ذاته ويخونُ الشعر.

عمر شبلي
                              
تجربتي مع الشعر والحياة:

أنا سأقدم لكِ ذاتي مثقفاً عرف الحياة من خلال احتكاكه الحاد بالثقافة وترجمتها سلوكاً عبر تجربة نضالية أخذت أجمل سنوات عمري، وكان الشعر لصيق تجربتي الصعبة مع الحياد وأحداثها، وكان شعري انفجار تجربتي في المعتقلات ذوداً عمّا آمنتُ به. شعري يحكي قصة شاعرٍ سجين، أعطى عمره وقلمه لأمته وشعبه، وحاول بالشعر أن يلامسَ وجدانَ أمته وآلامها وآمالها، وحكى تجربته الإنسانية، وموقفه أمام الحياة والموت، وعانى مأساة انهيار ما كان يحلم به على مستوى الفرد والجماعة، وقضى أيام شبابه في المعتقلات مؤمناً أن نضال شعبه هو جزء من نضال الإنسانية لانتصار قيم الحق والجمال والحرية. وكان حزنه غامراً وطاغياً عندما رأى الراية تتمزق تحت حوافر خيل الغزاة في لبنان وفلسطين والعراق وعلى امتداد خارطة هذا الوطن العربي المزدحم بالفقراء والمناضلين، وراح يتساءل في ألمٍ وحدّة: لِمَ انهزم الفقراءُ والمناضلون، ولمَ سقطت الراية؟. وفي فرحة طفل راح يهتف للمقاومين في لبنان وفلسطين والعراق، ويقول: “يا ليتني كنت معكم”. كان يعتبر أن نضال شعبه هو جزء من نضال الإنسانية ضد الظلم والجوع والقهر والتخلف.                                                                
     
لقد كانت آلامه وأحزانه كبيرة لآنّ آماله وأحلامه كانت كبيرة، وحكى عن ضعفه وقوته وعن يأسه وأمله، وظل واحداً لم يتناثر، ولم يهِن أبداً وهو يعاني الغربة والظلام في الزنازين والأقبية، لقد كابر، وتكبـَّر على الجرح حتى لكأن الجرحَ الضماد.                                        
 
تجربة الأديب سبب إبداعه، فللأديب المبدع وجود خاص، وخصوصيته تنبع من فرادته الرؤيوية، وتنبع من حريته في التعبير عن ألمه الفردي وألمه الجمعي في آن، إن الألم من أندر الصفات الإنسانية في إثارة التوهج وشنّ المعارك الداخلية على الأعصاب والروح معاً، فالغربة، والموت والمعتقلات والسجون، والعشق المكسور، والحرية المعتقلة، والأحلام المهزومة، والقهر هي كلـُّها مصانع للألم الذي يُحَوِّله الشاعر كلمات، فقد سئل أعرابي لِمَ مراثيكم أجملُ شعركم، فقال: “لأننا نقولها وقلوبنا محترقة”، وهكذا يظل الانفعال الناتج عن الغربة، غربة الموقف أو غربة المكان أو غربة الحال مهيـِّجاً للروح لتتدفق أدباً خالداً.                                    
 إن الشعر في حقيقته هو التعبير عن قوة الوجود.

الحزن وولادة الشعر  المتمرد:  

وكنت أرى أن الكتابة الملتزمة بقضايا الإنسان العليا هي إعادة بناء العالم وتهديمه في آن. فالشعر بهذا المعنى ثورة وحرائق مستمرة، وكنت أرى أن الشعر واحة وارفة الظلال والمياه في تربة الحضارة الإنسانية. كنت إنساناً يضخُّ في شعره حنينه وحلمه وتوقه إلى المرأة والضياء والحرية في جوف الزنزانة، ولذا لم يحوِّله جفاف الزمن من الحلم المتحرك إلى صحراء قاحلة، لأن المرحلة الأولى من الموت هي موت الذكريات والأحلام، كان الحلم عقاراً مهدئاً، لأن الغربة تبدأ حين تتأكد وأنت قابع في زنزانتك أن ليس ثمّةَ شيءٌ آخر سوى حلول المساء. وبهذا المعنى يُلغى الزمن في وجودك تماماً، ويصبح الماضي وحده هو الموجود، حيث لا زمن للعمر القاحل الخالي من الحدث والمفاجأة. كنت متأكداً أن الزنزانة مأواي، أما روحي فلم أكن أستطيع السيطرة عليها، كانت متمردة ولاهثة وراء ما يشبه السراب، كان الحنين يجبرها على الملاحقة، فربما يصبح السرابُ ماء، وكانت تقنعني باستمرار أن القلب أكثر حضوراً ووعياً من العقل. وبدأت كثافة الكآبة تتحول إلى فعل جسدي، وهكذا لم أكن وحدي حزيناً، فالجسد الذي كنت مقيماً فيه صار حزيناً أيضاً، وصار وجهي قاحلاً كصحراء ليس فيها زمان ولاينابيعُ ولا آثار قوافل.    
هكذا كنت أهجس وأنا في حضرة العذاب.
كانت الكتابة الوجه الآخر للصراع مع الموت. لقد قال ”هاملت” أروع ما لديه في المقبرة فلمَ لا أكونه؟!!. كان التوازن في العاصفة يمنحني جذعاً قوياً.
لابد من الكتابة. القرار لم يكن وافداً من الخارج، لقد كان القرار نابعاً من امتلاء نفسي بعناصر الخلق ولذا لابدّ من تفريغ الشحنات في الكلمات. صرت كالطائر الحرِّ في قفصه كما يقولون.
أنا اكتشفت الأرض الموعودة من قاع زنزانتي ولكن أين الأوراق والأقلام لكتابة الشعر والاحتفاظ به؟! الشعر هنا ليس ترَفاً لقد كان سلاحاً ضدَّ الموت كان آخر مجذافٍ وآخر ”مردي” في يد ”جلجامش” وهو يبحر باتجاه جده الذي يحتفظ بسرّ الحياة والموت  منذ أن جعلت الآلهة الموت من نصيب الشر واحتفظت لنفسها بالخلود.

 
والعجيب أن يكون للحزن في النفس صلة بالإبداع المتصل بالخلود وأن يكون له أثر مغذٍّ لهذه النزعة التي لا تفارق الإنسان مذ يلقى الوجود إلى أن يوارى في ثرى لحده، وإلا لمَ نكتب؟ ولمَ نرسمَ ولمَ نتجشم هولَ الموت، أوليس في هذا بحث عن الحياة التي لا تنتهي؟ كان الحزنُ اللباس الذي لم أبدِّلـْه إلآ نادراً، وفوق لباس الحزن كنت ألبسُ كبريائي حين أكون أمام المحقق والمخبرين، وفي غمرة الحزن كنت أصبحُ إنساناً آخر. ومع ذلك كنت أكابر، والمكابرة في هكذا حالات هي فعل أخلاقي، لأنها هي ما يجب أن يكون في زمن الانهيارات الكبرى، وأنا الآن أتساءل، وأنا خارج السجن، كيف يستطيع الإنسان أن يتماسك وهو ينهار. إن هذا من أسرار النفوس الكبيرة                            
                             
لقد شاركت أبا فراس الحمداني حزنه وكبرياءه، وناجيت حمامات “برندكْ” وحمامات “رينا” “ولكنْ قتالُ الروح أيُّ قتالِ”. كان أبو فراس إذا أضواه الليل أذلَّ “دمعاً من خلائقه الكِبْرُ”، وأقنعني ابن الرومي بأن الدمع يشفي، و”لم يخلق الدمعُ  لامرئٍ عبثاً”،.وبكيتُ مع صقر قريش حين رأى نخلةً: “تناءتْ بأرض الغربِ عن بلد النخل”.

الشعر هو تاريخ الشعوب الحقيقي


كنت، ولا أزال مصرّاً على أن مسيرة التاريخ الصحيحة لا تـُدرَك من خلال ما كـُتـِب تحت راية السلطة وفي ظلها، وإنما يـُقرَأ التاريخ الحقيقي في الأدب، وفي الشعر تحديداً. إن عمر بن أبي ربيعة يعطينا صورة عن عصره أصدقَ من كل المؤرخين الذين كتبوا عن تلك الحقبة، وعن الحياة الاجتماعية في العصر الأموي. وأبو نواس يؤرِّخُ حقيقة العصر العباسي بشعره بكل مافيه، وبما لا ينسجم مع قول الطبري في هارون الرشيد: “كان يحجُّ سنةً ويغزو أخرى”. الأدب هو التأريخ الداخلي والعلني لروح عصره، وهو تعبير خارج رقابة السلطة حين يكون شعراُ، وحده هو التاريخ الحقيقي للروح الإنسانية، ولتحولاتها، وتساؤلاتها الكونية التي لا تنتهي، إن الشعر الحقيقي هو نقيض السلطة باستمرار.                                                    
                   
والشعر الخالد هو تاريخ الأمم الحقيقي، ولابد هنا من الإشارة أن الأمم خلدت مفاخرها وقيمها بالشعر وليس بالنثر. إن إلياذة هوميروس عند اليونانيين هي كتابهم المقدس، وكذلك الـ “شاهنامه” للفردوسي عند الفرس لا تزال موجودة في أرواحهم وأفكارهم، وهم يعتبرون شعر حافظ الشيرازي مقدساً، والشعر الجاهلي عند العرب كان مقدساً، ويـُعلـّق على أستار الكعبة، وكانت القبائل ترسل وفداً لتهنئة قبيلة أخرى إذا ظهر فيها شاعر مجيد، ولم يستطع الإسلام بكل حضوره الروحي والسلطوي والاجتماعي أن يلغي الشعر من حياة العرب ولا من تعاطيهم الشعر كالغذاء، وكان الشعر هو تاريخ العرب الحقيقي وديوانهم، وكانت قصيدة تثير حرباً، وقد سجن عمرُ بن الخطاب الشاعرَ الحطيئة لأنه هجا الزبرقان بن بدر زعيم بني تميم، واشترى الخليفة عمر من الحطيئة أعراض المسلمين حين اضطر لإخراجه من السجن بعد توسله بأطفاله الجياع. وكاد معاوية أن يقطع لسان الأخطل التغلبي، لولا تدخل يزيد، لأنه هجا الأنصار                    
والمقصود من هذا أن الشعر يدخل في النسيج الاجتماعي والروحي للأمم في مراحل تطور وعيها الاجتماعي، ووعيها الروحي، وربما كان هذا أكثر حضوراً من كتابة المؤرخين التي تمرّ على غـُرَف السلطة لتثبيت ما تشاء ومحو ما تشاء.                                              
         

متى يكون الشعر أصيلاً؟                         

                                             
وربما كان سعيُ الأديب إلى الحصول على الاعتراف به خيانةً للحرية التي لا إبداع لعمل أدبي بمعزل عنها، فالحصول على الاعتراف يصحبه أحياناً كثيرة نفاق وتدجين وخيانة للنص المنتـَج، وهذه كلها من مقاتل عملية الإبداع، وكلما ابتعد الأديب عن الارتزاق للاعتراف به اقترب أكثر من خصوصيته التي تكفل له وحدها الاعتراف خارج الوهم وخارج الخيانة والنفاق. وربما كان الزهد القائم على الإعراض عن كل ما هو مفتعل هو الأسلوب الصحيح للحصول على الاعتراف الخالي من الوهم والتزيين الفارغ لخواء الجوهر، وربما هذا سائدٌ وبنسب عالية في عصرنا بسبب قوة الإعلام وحاجته للانتشار والكسب السريع. وبسبب المفاهيم الاجتماعية التي يتنكر بعضها لكثير من القضايا الإنسانية المحقة، وأيضا بسبب السلطة التي تبثّ من الأفكار التي تخدم استمراريتها. ولعل العداء الدائم العلني والمضمَر أحياناً كثيرة بين الأدب المبدع وبين السلطة يعود إلى طبيعة كلٍّ منهما، فالسلطة ظاهرة خارجية وافدة على النفس البشرية تعتمد على القوة لاستمرار بقائها، بينما الشعر غريزة متوحشة تحاول باستمرار مهاجمة الخطأ، ومنبع هذه الغريزة المتوحشة هو الداخل المتمرد على كل ما هو عادي، وكل ما هو سلطة. وإذا كان الأدب وتحديداً الشعر:”هو حنين العقل إلى طفولته” فهويـّتـُه الأولى هي الطفولة، والطفولة هي حالة نقدية بسبب براءتها، وبسبب عدم تقبلها للتسلط.                              

الأدب الملتزم فعل أخلاقي:
                                         
عندما يكون الواقع أغرب من الخيال لا تكون العبقرية إلاّ تسجيلاً مباشراً لما يحدث داخلك وخارجك وتكون جمالية ما تكتب بمقدار ما تُحيل السموم التي تسكبها الحياة فيك إلى وجباتٍ دسمة. أدركت عبر الجمال المولود في الزمن القبيح أن الألم أصفى مرايا النفس الداكنة. تحت جلدي كانت تنمو عوالم بلا نهايات وكانت البوابات تنفتح باستمرار على شيء مبهمٍ يأتي ولا يأتي في زمن طويل كعمر الأموات.
كانت قصائدي تصبح كائناتٍ حرةً وذاتَ أعمار الآن حين أعود لتلك القصائد أسترجع الحالة التي كنتها أثناء كتابة هذه القصيدة أو تلك. وكنت أحسّها تـُنشَد خارج السجن، كنت أكتب عما هو إنساني في عالمٍ غير إنساني. صرت أؤمن أن الكتابة التي تساعدك على الخروج من عذابك هي عملٌ أخلاقي، وكلما ازدادت جماليةُ ما نكتب ازدادت قيمته الأخلاقية لأنَّ الكتابة الجميلة تزيد فرحتك فيضمر عذابك أكثر، والجمال التزام بحرية القول والمعتقد. وهكذا تتلازم الأخلاق وعملية الإبداع الفني، ولأن الأدب في جوهره ذاتيةُ مجتمعٍ بمقدار ما هو ذاتيةُ فردٍ فإن الأدب يصبح فعلاً أخلاقياً متقدماً وتسقط النظريات التي تعتبره ترفاً لا مبرر له. إن الإبداع ينتشل الإنسان من عدميته، فتنتصر القصيدة على الآلة الحدباء.
ولأن الكتابة الإبداعية هي نتيجة توّترٍ مستمر وحرائق لهشيم المبتذل المتكرر فهي ثورة مستمرة وتحوُّلٌ إلى المستقبل عبر الإبداع والجمال. وليس هناك أجمل من جعل الإنسان مستقبلياً باستمرار. إن الكتابة ليست تجربة إنسان مطمور بين الكلمات، وإنما هي تدريب للنفس على تجاوز الألم والعذاب وهزيمة العالَم الذي يحاول هزيمة القلب أمام سيطرة العلم الخالي من خفقة الروح، يجب عقد مصالحة عميقة بين العلم والروح.

بكائيةٌ بثوب الحياة
                         على جثّةِ 2020
 

ما العمرُ، ما نحن، ما معنى العبـور به  
أليـس أوّلُــــهُ وهـمــــاً وآخــرُهُ؟
نظـلُّ نـلـبــسُهُ رَثّـاً ومهتــــرِئـــــــاً      
حتى ولـو زالَ بالـتـرقيعِ أكثـرُهُ
وكـلّـمــــا من عُـراهُ حَـلَّ واحــدةً        
رحنا بما ظلّ من عمرٍ نُـزَرِّرُهُ
هذا الحطامُ الذي قد سُنَّ من حَمَأٍ        
من طين أجسادنا كانت مقابرُهُ
إنَّ الــذي تـتـحرّاهُ رواحِـلُـنـا
هو السراب وتغري الناسَ أَنْهُرُهُ
والوهمُ ظلَّ طوالَ العمرِ خمرتَنا      
نَسقي ونُسقَى وتُغرينا معاصرُهُ
يا عامُ أرثيكَ، كنّا في الطريق معاً  
بعضُ العَداءِ حقوقُ الدربِ تزجرُهُ
فإنْ رَثَيْتُكَ كان الجرحُ ينطقُ بي    
والجرحُ يبدو على السِكِّينِ آثَرُهُ
فكم تمرّدَ قلـــبٌ في جنــازتِــــهِ    
شوقاً إلى خنجرٍ قد كان ينحرُهُ
خُذِ الطريقَ إذا ما شئتَ يا قدَري    
والدربُ ليس يُرى بالموتِ آخرُهُ
أنّى تشائين كوني أنتِ يا طرُقي      
أذى ومنجىً، فأغلى الدربِ أخطرُهُ
وهل يُوارى نزيفٌ والضياءُ به      
وسالَ فوقَ همومِ الدربِ أطهرُهُ!!
أرَقْتُهُ، لم أنَـمْ يوماً بــلا تعـبٍ          
ولا عـنــادٍ بلا هَــمٍّ يُسامــٍرُهُ
وكنتُ أصحو إذا ما زارني وطني    
وراح يحنو على جرحي ويغمُرُهُ
نـذرتُ عمـري لأشواقٍ، فهـا أنـذا    
أشتاقُ، والعمرُ قد حُلَّتْ أواصِرُهُ
أحبَبْتُ في غربتي حتى الأُلى ظَلَموا  
وكنتُ أرثي لمن لم يَصْفُ جوهرُهُ
دعِ النزيفَ يعاني من غزارتِــــــــهِ    
فـلـيس يـجـمـعُــهُ إلاّ تـفـجّــرُهُ
وزّعْتُ حزني على الدنيا فأثمَلَها        
والدهرُ يُسْكِرُني حيناً وأُسْكِرُهُ
لا أعشقُ العمرَ سهلاً لا خطوبَ بهِ      
والعمرُ أجدرُهُ بالموتِ أيسرُهُ
والروح لا تكتسي إلاّ إذا عَرِيَتْ      
والقلبُ يصبحُ حرّاً حين تأسُرُهُ
هذا الحنينُ الذي تطغى منابعُهُ          
قد كان تنبع من عينيَّ أنـهُــرُهُ
ورغمَ هذا سأبقى مُشْرِعاً سُفُني      
ولْيَعلمِ الشطُّ، في صدري بواخرُهُ
لا شيءَ يعبرُ في جرحي سوى دمِهِ  
روحُ الألوهةِ فيه وهو منكسرُ
لا يُمْرِعُ الحبُّ في التوْبادِ من مطرٍ  
إن لم يكنْ قيسُ من ليلاهُ يُمْطرُهُ
دنا، وناولني حزناً لأشربَــــــهُ      
فرحتُ أشربُهُ والدهــرُ يعصرهُ
وقال: لا تحسُ أحزاناً مجربةً        
فأنْضَرُ الحزن في الأرواح أنْدَرُهُ
هم خاصموني على جرحي فقلتُ لهمْ    
خذوا الضِمادَ، فجرحي لا أغَيِّرُهُ
ورحتُ أمشي، وجرحي في الطريق معي    
والجرحُ يصبحُ جرحاً حين تخسرُهُ
وألفُ “جلجامشٍ” قد كان في جسدي    
يمشي إلى جدِّهِ والموتُ ينطرُهُ
ولم تكنْ حانُ “سيدوري” لتُقْنِعَهُ      
أنّ الحياة وإنْ طالتْ تغادرُهُ
قد مرَّ منك على الدنيا فمٌ ودمٌ      
وسورُ “أوروكَ” للدنيا تُعَمِّرهُ
“ننسونُ” أمك كم غذّتْكَ من دمها    
لكنما الموتُ في الإنسانِ جوهرُهُ
قرأتُ عنكَ على الفخّارِ ملحمةً      
لم تُبْقِ منكَ سوى طينٍ تُسَوِّرُهُ
لكنّ أمنيةً رَفّتْ على جدَثٍ    
تعلو على القبر والحفّارُ يحفرُهُ
يا عُمْرُ، إنَّ الأماني بنتُ لهفتِنا    
والقلبُ أنضرُهُ خصباً مجامرُهُ
وكلُّ أمنـيـةٍ كانـت تساورنا    
سَوَّتْ مقابرَنا كوْناً نُعَمِّرُهُ
في السور قد صاغها جلجامشٌ عُمُراً
وقرنُ “ثور السما”، “أوروكُ” تكسِرُهُ
وراحَ يمخُرُ بحراً للخلودِ على      
وهمٍ وكانت مياهُ الموتِ تمخُرُهُ
واحتازها المتنبي وهو يصرخُ في    
خيلِ الزمانِ: أنا موتي سأعبرُهُ
وردّها عن رهينِ المحبسيْنِ عمىً      
عمرُ العباقرِ ليس الموتُ يُبصِرهُ
والقبرُ في دير “مار سركيس” تُخْصِبُهُ    
“سلمى كرامي” بحبٍ لا يُغادرُهُ
وحولَهُ شجراتُ الموتِ يابسةٌ          
ما أخصبَ القبرَ، والقِمّاتُ تَنْطرُهُ
“نَـبِـِيُّـهُ” كــان قلــبُ اللهِ حانتَـهُ        
وليس فيه سوى ضوءٍ يعاقرُهُ              
روحُ الألوهةِ من فَخّارِنا صُنِعتْ      
لايـبـرحُ اللهُ شيئاً، وهو فاخِرُهُ
سَكَبْتُ حبّي على جرحي فأسْكَرَهُ      
والكرْمُ يسكبُهُ في الكأسِ عاصِرُهُ
رأيتُ موتاً يعاني من جنازتِـهِ        
فقلتُ جيلٌ يرجُّ الموتَ يعبرُهُ
سلكْتُــهُ أمَّتي كانت بلا قـدَمٍ            
تهفو إلى وطنٍ أغناهُ أفقرُهُ
أعطبْتُها كلَّ ما يحوي دمي وفمي  
واليومَ يشمتُ بي جسمي وأزجرُهُ
وقلتُ: إنّ سراباً لا جفافَ به        
يظلُّ يغري فماً جَفَّتْ مواطرُهُ
                                           
 عمر شبلي

🌿تحية كواليس:🌿

هي الدهشة التي تستفزنا دوماً لنقدم ما لا يخطر ببال
هي انت ايتها الرائعة القلقة الطفلة الحائرة المبدعة
التي تأتين من بين النجوم ساطعة الضوء حلوة الاريج.. تفوحبن اساطير تحكى على عتبات الانتظار ومحطات الابداع

تعودين اليوم جديدة كما طلات الاعياد

تلمع هديتك بجوهرة ليس لها مثيل

الشاعر الكاتب الاديب عمر شبلي، يسرج خيول الحروف على متن غيوم حبلى بعناقيد تتدلى شعراً بمذاق الحزن

وتبرق سحراً لتسرد فصول العمر من دون حدود

فتحلق طيور الحلم لتوقظ حروفه المنهمرة شلالات وتتدفق سنابل

اليوم ايتها الرائعة ترسمين مساراً يفوح بتجارب منسابة رقراقة ومحطة لقاء

شكراً لكما لقد زرعتما في كواليس سنبلة 🌺🙏

شاهد أيضاً

مسيرات حاشدة بمحافظة إب اليمنية تنديدا بإساءة المجرم ترامب لمكة المكرمة ..

  تقرير /حميد الطاهري شهدت محافظة إب “وسط اليمن”، اليوم، مسيرات جماهيرية حاشدة في ساحة …