عبد الغني طليس
الأميركي وقح. معروف ذلك. وجبان. ومعروف ذلك في تجاربه مع الدوَل. وطالما أنه لا يصطدم بوقائع تثير الجبَانة والخشية الشهيرتين عنده من هزيمة، فإن وقاحته تبلغ الزُّبَى بكل المعاني!
الأميركي الوقح يطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية( أضرُب واطرَح واقسِم واجمَع!) أن يتوقف حزب الله عن قصف المستوطنات، لتبقى هدنة بيروت والضاحية سارية، أما الجنوب فهو أرض سائبة لنتنياهو لا هدنة ولا مَن يهادنون .
والوقاحة حملها بدوره رئيس الجمهورية، بكل وقاحة، وقباحة، وسأل الرئيس برّي في شأنها، فتلقّى جواباً لا رجوع عنه ولو بلغ جنود نتنياهو بيروت فالبترون لتلبية دعوة كاس العرَق: أوقفوا الحرب علينا فيتوقف الحزب عن القتال.
لن يتوقف نزول رئيس الجمهورية عند إرادة الأميركيين، حتى ولو وصل قاعَ القاع، وارتطم رأسه بالصخور المسنّنة من جميع الجهات، وتهشّم جسمه العتعيت! وكذلك حكومته. وكذلك “دولتُه” المخطوفة المطلوبة للتوقيع على بياض. لا يعترض. لا يصرخ. لا يقول آخ. لا يشعر. لا يفكر. ولا يهجس إلا بما يأمر به ترامب، وما يشترطه نتنياهو، وفوراً لعند الرئيس برّي – حائط المبكى للدولة ضد حزب الله، ولا يعرفون أن القضية في الجنوب لا تعالَج لدى بري ببيع الكرامة وشراء المباذل، بل بأصول قوانين الحرب التي لا يصحّ أن تنطفيء فيها محركات في جانب ليتسنى للجانب الآخَر إن “يعمل”على راحته.
ووالله يا إخوان، لم تعد المسألة دفاعاً عن لبنان، ولا عن الجنوب، ولا عن المقاومة، ولا عن الشعب. أصبحت المسألة في تعلّق جوزف عَون بالكرسي كأنها بساط الريح، وهي فعلياً صحن فتوش، مركّب على أربعة أرجُل: واحدة أميركية وثانية إسرائيلية وثالثة سعودية ورابعة أميركية أيضاً. والأرجُل الأربعة تأخذه وتأتي به، تؤنسُه وتَفْنِسُه، ترفعه وتُخفضُه، تُطعِمُهُ وتسقيه وترضّعُه في الشدائد، ترسَل عبره الرسائل فيُصفَع بالأجوبة من الجميع. الأميركي يصفعه بالمطالِب. الإسرائيلي يصفعه بتهديد بيروت. السعودي يصفعُه بالمراقبة اللصيقة خوفاً من انفلات فكرةٍ غير متفق عليها معه. فيهروِل إلى الرئيس برّي الذي يصفعُه هو الآخَر ولكن على الناعم. وبين الصفعة والصفعة، والصفعة فوق الصفعة، لا يُترَك له مجال ليُعمِل عقله في شيء… حتى لم تبق له رقبة ولا خدود ولا أكتاف ولا “أعضاء” تتلقى المزيد. ورغم ذلك هو صامد، ومفتون بالمنظر من على بساط الريح!
والله، عيب. عيب الوصول إلى هذا الدرْك الأسفل من سافلين. عيب لا على رئيس جمهورية فحسب، بل حتى على مواطن عادي مسكين محطّم مقطوع من شجرة أن يسمح بكل تلك الإهانات ممن نصّبوه وقالوا له اسكت واجلسْ ونفّذ وتحمّس ولا تفكر إلا بما نعطيك تعليمات في شأنه. فجلس وسكت ونفذ وتحمّس ولم يفكر بغير تعليماتهم وتعاليمهم. فلم يقدّموا له كباية ببسي. لم يساعدوه في إبرة كزاز. ولم يدعوه إلا إلى جِيَف من القرارات التي التهمها مع دولة النوّام بالتكافل والتضامُن. وفوق ذلك لم يرضَ نتنياهو ولو بتوجيه like له وللنوّام. إفعلوا. إقبلوا. أَذعنوا. وحين لا يستطيع نتنياهو عَملاً أكبر من طاقته، يطلب إليهم أن ينجزوه، فيصبح الخيار أمامهم: “تحقيق” ما يرغب، أو قصف بيروت.
رئيس الجمهورية فَقَدَ قدرته على لعب أي دور ولو بالصورة، لا مع الأميركيين الذين أشعل أصابعه على حبهم بسّ عالفاضي..ولا مع الإسرائيليين الذي لا يقبلون بما دون قطع رقبة لبنان إلى الأبد والرئيس موافق لهم لكنْ غير قادر، ولا مع المقاومة التي تجسَّد لها بعد وصوله رئيساً، رئيساً إمّعة يشبه الشرطوطة التي تُربَط على رأس مجسّم “خَيَال الصحراء” المنتشر على سطوح قرانا وبلداتنا ليبعد العصافير عن المونة تحت الشمس، فتزداد الطيور حضوراً ونَقْوَدَة .. وصحتين!
كدتُ أدعو رئيس الجمهورية طالما أن وضعه هذا غير قابل للحل، إلى الاستقالة حفاظاً على عدم انتقال اسمه خلال عهده الرئاسي إلى خانة خادم الكافيتيريا ،فصوته لا يطلع على العدوّ ولا الصديق ولا الجيران، وأصبح قصر رئاسة الجمهورية أتعس من خيمة كشّاش حمَام، فحتى الاستقالة لا لزوم لها ولا معنى ولا فَكاهة .. ولننتظر مرغمين نهاية جولات الميدان في الجنوب..
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
