عامل… جبلُ التحدّي والصمود

بقلم الشيخ حسن حماده العاملي

ليست عامل رقعةً من ترابٍ جنوبيٍّ فحسب، وليست مجموعة قرىً تتكئ على التلال وتنام بين كروم الزيتون والتبغ. عامل حكاية وطنٍ بأكمله، وسيرة شعبٍ تعلّم كيف يصنع من الألم أملاً، ومن الجراح راياتٍ ترفرف فوق قمم الكرامة.

في هذه الأرض، لم يكن التاريخ صفحاتٍ تُقرأ، بل دماءً تُراق، وبيوتًا تُهدَم، وأمهاتٍ يودّعن أبناءهنّ إلى ساحات الشهادة وهنّ يخفين الدموع خلف ابتسامة الرضا. هنا، في جبل عامل، لم يكن الانتماء شعارًا سياسيًا عابرًا، بل عهدًا مقدسًا بين الإنسان وأرضه، بين الشهيد وتراب قريته، بين الزيتونة وجذورها الضاربة في عمق الزمن.

كم مرّ الغزاة من هنا، وكم ظنّ المعتدون أن بإمكانهم كسر إرادة هذا الجبل. جاءوا بحديدهم ونارهم وطائراتهم ودباباتهم، لكنهم لم يدركوا أن في صدور أبناء عامل جبالًا أشد صلابةً من الصخور، وأن في قلوب أمهاتها إيمانًا لا تهزّه العواصف ولا تقتلع جذوره الحروب.

عامل ليست أرضًا اعتادت الحرب، بل أرضٌ فرضت عليها الحروب لأنها رفضت الخضوع. لم تطلب المواجهة يومًا حبًا بالدم، بل دفاعًا عن الحق، وصونًا للكرامة، وتمسكًا بأبسط حقوق الإنسان في أن يعيش حرًا فوق أرضه. ولهذا كانت دائمًا في مرمى العدوان، ودائمًا في طليعة الصامدين.

من بين ركام البيوت المهدّمة كانت تخرج الحياة. ومن بين الدخان كانت ترتفع المآذن وأجراس الكنائس وأصوات الأطفال معلنةً أن إرادة البقاء أقوى من كل آلة قتل. وفي كل مرةٍ كان العدو يظن أنه انتصر، كانت عامل تنهض أكثر شموخًا، كأنها طائر الفينيق الذي يصنع من رماده ميلادًا جديدًا.

هذا الجبل الذي احتضن العلماء والمجاهدين والشعراء والمفكرين، لم يكن يومًا هامشًا في تاريخ لبنان، بل كان قلبًا نابضًا في جسد الوطن. فمن ربوعه انطلقت مدارس الفكر والعلم، ومن قراه خرج الرجال الذين حملوا هموم الناس وآمالهم، ومن تربته ارتفعت قاماتٌ آمنت بأن الإنسان الحر هو أغلى ما تملكه الأوطان.

وإذا كانت بعض الأمكنة تُعرَف بما تملك، فإن عامل تُعرَف بما قدّمت. قدّمت الشهداء حين بخل الآخرون، وقدّمت الصبر حين سقط كثيرون في اليأس، وقدّمت للوطن معنى أن تكون الأرض قضيةً لا صفقة، والكرامة مبدأً لا مصلحة، والانتماء رسالةً لا شعارًا.

واليوم، فيما تتكاثر الأزمات وتشتدّ العواصف على لبنان، تقف عامل كما كانت دائمًا، شامخةً كجبلها، ثابتةً كصخورها، مؤمنةً بأن الأوطان لا يحميها المتفرجون، بل الذين يزرعون في الأرض أملاً، وفي النفوس ثقةً، وفي الأجيال وعيًا بأن الحرية ليست هبةً من أحد، بل ثمرة تضحياتٍ طويلة.

سلامٌ على عامل…
على قراها التي تعلّمت أن تحوّل الحصار إلى صمود، والدموع إلى قوة، والوجع إلى إرادة.

سلامٌ على أمهاتها اللواتي أنجبن الرجال، وربّين الأبطال، وكتبن بصبرهنّ ملحمةً لا تقل عظمةً عن ملاحم الميدان.

سلامٌ على شهدائها الذين صاروا نجومًا في سماء الوطن، وعلى جرحاها الذين حملوا أوسمة التضحية في أجسادهم، وعلى أهلها الذين بقوا أوفياء للعهد مهما اشتدّت المحن.

ستبقى عامل…
جبلَ التحدّي والصمود،
وعنوانًا لوطنٍ لا ينكسر،
وصوتًا يقول لكل من يراهن على سقوط الإرادة:

إن الأرض التي أنجبت هذا القدر من العزة، لا تعرف الهزيمة.

شاهد أيضاً

الأيتام

بقلم: أمين السكافي عاد الجنوب يتيماً. ليس يتيماً لأن أبناءه غابوا عنه، بل لأنه لم …