سهيل عثمان كتب قراءة نقدية مغايرة

“رواية” لصديق عزيز طلب مني قراءتها قبل حوالي أسبوع واعتذرت منه بحجة انشغالي بمتابعة دروسي وأني قبل مجيء الامتحانات أحاول الإقلاع عن الأدب كما يحاول الطبيب إقناع مريضه المصاب بالقلب بضرورة الإقلاع عن التبغ-التدخين .. وفي عصر يومنا هذا، اليوم الثامن من تموز الجاري فتحت روايته التي هي بعنوان “المشاعر حياة” بدأت ألتهم مقدمة الكتاب وإذ بالمشاعر تتصاعد شيئاً فشيئاً بداخلي بينما كان خط مصابو التوحد يتصاعد تنازلياً أمام ناظري، لم أتوقف حاولت الوصول لمغزى تلك الأحرف التي خالطتها وجعلت للحروف نقاطها _ قطرات ندى منبع عين محبرته، عشت حياة شخصيته الرئيسية وشعرت بالملل لتعاسة تلك الحياة التي يقبع فيها “غيم” ويجدر بي القول أنه ماكتب وما اختار عنواناً جذاباً إلا لأنه’صادق المشاعر وفؤاده يلامس كل جرح في القلب غائر..’

ساعتان من القراءة لم أصغِ لأحاديث ضيوفي وجدتني أنويَّ التوقف عن قراءتها لأهتم بهم فكنت أسترق النظر بين الفينة والأخرى(١) علّي أتخلص من عزلة غيم!! وإذ بي أرى كل شيء متوفر لديهم.. دخلت ميليسا حياة غيم الخالية من المشاعر والحب، والمشاعر أساس كل شيء جميل، راح بالي عن سبب مقنع يعيني تعاستهما وإني لكذلك حتى رأيت الكاتب بهيئته يقف عند ركني الباب وما إن هممتُ بٱستقباله إذ بي أراه يخطو كما تخطو عقارب الساعة ودورانها أو بالأحرى خطواته لا صدى لها وسط ضجيج النهار ثم قال رافعاً يده:  السلام تحية ماعدا سيدي القارئ والمجلس.
أكرمت ضيافته وشاركتهم الحديث عن ظاهرة سلبية تتفشى في مجتمعنا الذي لم يهتم بمعالجة ‘إنعاش مشاعر الآخرين’ وأخذنا وجه المقارنة  ببن نجاح عملية ‘الانعاش القلبي الرئوي’ ونجاح المجتمع في قتل الحياة وكبت مشاعر تلك الفئة ، رن هاتفي فجأةً وإذا بالمتصل ضيفي الكاتب صادق فؤاد، نظرت إليه بعد أن ظن أني رفضت المكالمة وإذ به يتشبث بهاتفه.

حياؤه كونه الغريب في المجلس جعله يمسك بهاتفه ويتصل بي وانا على الفور ودون أن أجعله يترك هاتفه جانباً كما فعلت أنا، بدأت بالحديث معه وهو يصغي إلي باذن واحدة وأخرى تستقبل صفير الرسائل لفشل المتصل بنغمة المشغول بمكالمة أخرى، وكانت المسافة بيني وبينه لا تقاس بين بُعد مشاعري ومشاعره….

“يحدث للمرء موقف كهذا وما أن يحاول التغلب على حياءه يتفاجأ بخيبة أمل ويمر يومه دون فائدة فبعض المجالس تكون فيها بحاجة لتبوح مشاعرك لشخص معين لكنه لاهٍ عنك طول الوقت!”

قلت له بعد أن كشفت أمره على الملأ: إنك صاحب حياة مليئة بالمشاعر فلا تكترث بالظواهر التي حاولت معالجتها في كتابك الذي وصلتني منه نسخة رقمية ..
سمعت تنهيدته ثم أدخل يده في شنطته وأخرج منها نسخة من مشاعره الحية، أبهرني غلافه حين مده إليَّ فخوراً بولادة ٱبنته البكر، ورأته عيناي يهديّ الجالسين نسخ ورقية ،
يالها من سعادة حظيَّ بها صديقي كما يحظى بها الكاتب لأول مرة في حياته..
ثم دخلنا في الخاتمة ولم يعرفه أحد غيري_أنه صاحب الرواية.

قال أحدهم: هناك بعض الأخطاء لكن القارئ يتجاوزها لتعرفه على حياة المشاعر المكبوته داخله والتي تحتاج منه للاطلاع على حياة الآخرين، وذلك من خلال القراءة الواقعية لقصص لم تكتب بعد، وقراءة الكتب غذاء العقل وشفاء لأمراض مزمنه ولقاح لفيروسات مختبراتها البيولوجية اجتماعية، ومن ثم يقارن حياته بالغير فيذهب الكسل ويمقت انطواءه.

  • ضيوفي الكرام إن صاحب الرواية هذه، طلب مني رأيي الشخصي فلتخبروني أنتم أولاً حتى يعرف أني لم أنفرد بقراءتي لها.
  • كيف سيعرف رأينا ونحن نتحدث حديث عابر، لسنا في استديو لقناة يمنية تهتم بالأدب؟
  • لا عليكم إنه بينكم ، هذا هو كاتبها “ضيفي الغريب” الذي أقبل للتو ظننتم أنه أحد زملائي الطلاب.

وقفوا وقفة رجلٍ واحد وهموا بالمغادرة لكن بعد أن سلموا عليه شاكرين تلك النسخ من روايته التي ستزين رفوف مكاتبهم_عاد كل واحد إلى مجلسه وسبروا متاكيهم ولم يقنع بآراء كل قارئ تفحص غلاف كتابه ولم يكمل المقدمة!!  ثم ألحّ  بإدلاء رأيي الشخصي ولولا غروب شمس تموز التي حجب آخر أنفاسها نقع غبار فصل الصيف لتُبشر الفلاح بإقبال الخريف ما ٱعتذرت له وما خرج من عندي إلا ووجهه غير الوجه الذي خرج به حاملاً شنطته التي خف وزنها بعد أن وزع أكثر من نسخة من روايته.

جاء المساء وفتحت جهازي للمرة الثانية، غادرت نسخته الرقمية-PDF وفتحت الإنترنت ثم كتبت له ما كتبت وفيها رسالة عبر الواتساب؛
عذراً يا صديقي فقد تمنيت لو أن للعصر ساعات أطول من عصر اليوم فقد أدهشني قدومكَ إلى منزلي ولم يشغلني عنك ضيوفي المعتاد على مجالستهم، لكن الأمر فيه بعض الخجل، وإذا قلت لك أني وجدت أخطاء كثيرة في السرد وعدم مُراعاة تقسيم الفصول فقد حكمت عليك بقولي وكنت بطلبك هذا مفعول به.

عذراً لم أتمكن معرفة ما إذا كان لإبنتكَ مشاعر حياة غير هذه الحياة ، فالأمر جد محزن والوحدة التي انتصر عليها غيم كانت أنموذجاً لتتحرر ميليسا من قصر أبيها ودرساً للدكتور وطلابه،  وكما انتصرا بالحب ستنتصر المشاعر وستجد حياة مختلفة،  كل قارئ سيمنحها من تلقاء نفسه تحوله لمخلوقٍ مجهولٍ أبيض اللون يدحض الأسود ويتفقد محيطه وتتفتح أمامه آفاقاً من الأمل، ستزيل آلامه معاناة الآخرين حين يعيشها قراءةً وسيمقت المجتمع الذي يعيش فيه لأنه عرف أنه مجتمعاً انفرد بحياة الكثير ممن وجدوا أنفسهم في معزلٍ عن العالم، سيمنح وستمنحها الشعور بالعزيمة ..
مشاعر ستجد كل يوم من يشعرون بها وستؤنبهم ضمائرهم بمعايشة الواقع مهما تنمروا عليها وأصابتهم قسوة أنفسهم والآخرين معاً .. مشاعر ستتزوج ذائقة كل قارئ .. والحياة ستجد حياة كل من يعيشها دون الإلمام بمبادئ المشاعر ذاتها، وستجد من هو حريص كل الحرص عليها ..

يا صديقي أعتذر لك اعتذار السحب الجارية للأرض القاحلة بيد أن من عليها لا يزرعون بذور المشاعر، إنَّ في التربة والأشجار وديموجرافيا الطبيعة بشكلٍ عام حياة لا يعيها إلا من فقد رائحة مشاعره الدفينة بداخله.. 

أعتذر لك اعتذار الطالب الأكاديمي والمتزوج حديثاً والمُصاب بجائحة قراءة الأدب أكثر من مقرراته الدراسية وإن لم يسرك رأيي فٱعلم بأن هناك نُقاد لا يتقنون القراءة المغايرة كما هو حالهم في القراءة النقدية لأي نص ، والفرق شاسع ياصديقي وستعرف أني ما ٱعتذرت وما قرأت روايتك قراءة مغايرة وما كنت حاضر مجلسي وما كتبت حرفاً ليقرائهُ غيرك قبلك إلا لأني أحببت فيك اختيارك للفئة المستهدفة وهذا ما يميز الكاتب في قصته القصيرة أو روايته فاختيار الفئات أمرٌ هام وقد أبليت بلاءً حسناً والسلام لقلبك.


١- اللحظة.
قراءة مغايرة بقلم الكاتب اليماني سهيل عثمان سهيل
لرواية صديقه الكاتب صادق فؤاد (المشاعر حياة).
2021/7/8م
جميع الحقوق محفوظة – موقع مجلة كواليس

شاهد أيضاً

<><>جبل الشيخ<><>

بقلم خالد سويد ياجبل الشيخ .. ياشيخ كل الدنيبعزك ربينا وكبرنا ،سني عن سني وعينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.