خارج الجاذبية

أحمد وهبي

كان … ثمّ كان، ثمَّ قبضتُ على عُنُقِ مجرّةٍ تراءت بعد ذرّةِ رملِ وقعتْ في عيني، ثمَّ فسّرتُها بدمي، فكان الأصيلُ خزينَ الشّمسِ والغيوم، ولأنّي رسمتُها منّي وبعضي الآخر والآخر، حتّى انتهيتُ لبعضي، إليها بِهِباتِ إسمي ورسمي، جرحي لا يَنْي يُغالِبُني، لأنّها ولَهٌ.. ولها ولَهي يتكاون عشقي، لأنها نفسي، نفسي المتماردةُ، تظلّ إليها تسبقُني …

قال العاشقُ، الشائقُ .. فيَّ كلمةً واحدةً ومضى، فاختلفتُ إلى معابد العاشقين، وجبيني قبسُ نورِها .. ربّةُ الحُسنِ والجمال، أنْحَتُ أحلاماً ملوّنةَ الشذا، فكان المبذول دمي .. يسقيها، في ظلِّ كرمةِ الحُبِّ، كأسان قلبان، نرفع نخبَ عشقنا، بأثير افتتانٍ شَغِفٍ .. تمكّنَ منّا، مِنّا في مكين الشَغفِ والشَغَاف …

أمام دموعِ السّماء، ننجو، بَيْدَ أنَّ دمعةَ الوجدِ قد شقّتْ روعةَ الحُبِّ بقلبٍ وقلب، وفي توامُض تُربِ ودرب، ومضاتٌ عن حفيف رِعشةِ الفجر، فانتبهنا وقد التفَّ بنا الليل، وعلى رموش القناديل كُحلُ عينيها، فارتجفتْ أوصالي بشهقةِ إيذان العاصفة، بقُبلٍ راعفةٍ .. كنّا فزِعْنا إلى واثرِ عشقنا، وكلّ مَن مات .. عاش تلكمُ الليالي إلى الأبد …

لقد أسلستُ بعضي بكروياتٍ حمراء، ونثرتْ بعضاً منها بيضاء، فتغاوتْ عندها بارقات السيوف، رسائل الغاوين وبيارق السُّعاة، والأشكال المتحرّكة غرقى، فرميْتُها بقطرةٍ .. عاشتْ حتّى أزمانٍ، اضطجعت بأنغامٍ، بأوردةٍ وتريةِ الروحِ لروحٍ عازفةِ العشق، داجيةِ الألم العذب، بشُعلةِ ضحكةٍ فاتنةِ السِحرِ، متلألئةٍ بخِضابِ الآهات …

في الخارج .. خارج الجاذبية، زمنٌ يتكاثف ببطءٍ، صامتاً كنتُ أنتظر لحظتَنا، وصورة القلب تتكاون بفيض مائها، وأنا سبطُ الماء، مَن ذا يحملهُ في الأصلاب والأرحام، والملّاح من بنات الأفكار، من عبق الرّياح، من الليالي المِلاح بقلبينا ترفرف بجناح، وقد غَوَيْنا، هوَيْنا في لججِ الغرام، تجاذبنا رعشاتٌ .. ونجاذبها، عشقْ مسكونٌ بالجنون، وبأنّني آلامُ صليبي وجُلجُلَتي، مَن ذا يشفع لهذا القلب، مَن لهاتي الروح، وأنتِ الروح في الروح …

وإنْ يتزاهى شاعرٌ .. فهو المتآلم، يذرو أثواب الأزاهير، لزهرةٍ يظلُّ يُعلّقها على شمس صدرها، على قمر شَعرِها، فوق الشفتين تلك القُبلات الأولى، ولأنّها عيد اللقاء الأول .. غدوناها، نحرث جاذبية الأرض، في هذا السفر الطويل، أتكئ إلى الروح، أُعانِد، وبأنّني إلى روحي وقلبي عائد …

سادراً، أجمع عن شتات الأنفاس، مشاعلَ تشتهي رغباتي، يومَ علّقتها على مشكاةِ الظنّون، كنتُ على سَفرٍ غريب، يوم مضيتُ في أجمل عينين، أتوارى في مهبِّ نفسي، في جرحي القديم، إلهٌ يزجي روحي إليكِ، في غمار الألوان، لون الأرجوان قلبي المتهافت إلى قلبٍ يواكبُني …

هل كان الزمان قبل اللقاء، والظلمات المبهمة أحطمها بنورٍ، يكشف عنّي التعبَ والضياع، هو النّور رفيق، صديق الحُبّ، أرخي لفكري المنهمل السؤال، حيث تتهزَّمُ الوجوه، أقنعة على غير ما هدى متصلة.. وغريبة، لا تصنع حقيقةً، فلمّا جَنّتِ الروح، وجدتُني في محرابها، حيثُني .. لا أضلُّ …

أنتِ .. قلبي، فاقْبِلْ أُقبّلُ قلبي، واهطلْ على وسن المُقَلْ، لو تُعَجِّلْ .. ترفع نفسي من ظِلٍّ ناصل، مُتّصلٍ بلمساتٍ تُهلِّل، تتسلّلُ إلى رعشات الفجر .. تحاول، وأنا خالِ حالٍ في تهوام اليمام، قِلَلٌ موشاةٌ لزرقة السماء، والعقل ينفعل، يقول، وأنا الغادي القائل، المائل للّيلِ بعَقدِ النجوم، بطيب المُثقَل فيَّ، لو كنتُ وكان وكنّا، لا أزال أسائل، لا يزال قلبٌ يُعتَصرُ، يعتصِرُ أعماقَ أعماقي لِآمِلْ …

شاهد أيضاً

كتاب جديد يسبر أغوار الصراع في القرن الأفريقي في الصور

حميد الطاهري عن دار مؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، صدر كتاب “الصراع في القرن …