المأزق الاستراتيجي: واقع الاتفاقيات الأمنية وحتمية الخيار الإقليمي

عبد الخالق محمد آل عيسى

​دأبت الكثير من دوائر صنع القرار الغربي على التشدق بالاتفاقيات التي استطاعت إبرامها على مدى أكثر من قرن من الزمان في منطقتنا العربية، وبالخصوص منطقة الشرق الأوسط محور هذه المقالة. ولطالما تساءل الإنسان العربي ومواطنو الدول المنغمسة في توقيع اتفاقيات وتوابعها من تفاهمات وإجراءات عن جدوى تلك الاتفاقيات، في ظل انتهاك العديد من بنودها واستغلالها من خلال التدخل في العديد من الجوانب التي وصلت لحد انتهاك السيادة وفرض نوع من الوصاية؛ مما تسبب بأضرار بالغة لحقت بالأنظمة العربية الموقعة في أكثر من مجال.

*​الاتفاقيات.. خدمات متبادلة أم تبعية ووصاية مقنعة؟*
​لقد قامت العديد من الأنظمة العربية بتوقيع مختلف أنواع الاتفاقيات مع الغرب خلال العقود الماضية عند انسحاب الاستعمار الغربي وما بعدها. البعض منها لم يخلُ من جوانب سيطرة غير مباشرة على مقاليد قرارات عديدة تدخل في صلب سيادة هذه الدول، ويتضح أن هذه الدول لم تمانع في نسج علاقات عديدة أمنية واقتصادية وسياسية ما دامت تصب في النهاية بمصلحة تلك الدول وتساعدها على تغطية جوانب قصور معينة في سبيل سد الثغرات والتفرغ للتنمية، وكذلك الأمر في بسط شيء من النفوذ في بعض الجوانب على أقاليم أخرى استناداً إلى ما أتاحته لها تلك الاتفاقيات من مصادر عدتها هذه الدول مكامن قوة؛ إلا أن الواقع أتى مغايراً مع مرور الأيام، وإتضح مدى هشاشة تلك الاتفاقيات وتحويلها لمصلحة في اتجاه واحد يخدم أهداف طرف دون آخر بشكل وصاية وتبعية مقنعة غير معلنة ولا متفق عليها.

​وخلال الحرب الأخيرة بالمنطقة، تكشّف بالتفصيل الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه دول المنطقة، فغدت واقعة بين سندان الاتفاقيات ومطرقة الصراع الإقليمي بين طرفين لا يحيدان عن غايتهما وإن اختلفت الأهداف وتعددت المسوغات، فأضحت دول المنطقة الخاسر الأكبر في معادلة معقدة لبسط القوة والنفوذ.

*​إلغاء الاتفاقيات أو تعديلها… حلول عديدة بخيارات قليلة*
​قد يخيل للبعض أن دول المنطقة أضحت تابعة وكأنها تنتظر مآل الأمور لتغير بوصلة التبعية، وواقع الحال أن الاتفاقيات عملت على سرقة القرار وزجت بدول المنطقة في أتون حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل رغم ما كانت تأمله منها، وهو ما يستدعي إعادة النظر في شكل تلك الاتفاقيات ومحتواها الذي بات يشكل عبئاً غير مسبوق على كافة بنود الاتفاقيات وتجاوزه ليصيب قطعات أخرى بالكثير من الضرر.

​إلا أن مساحة الخيارات تضيق يوماً بعد آخر، فكلما طال أمد الصراع وتوسع، تتعاظم التحديات التي تواجهها دول المنطقة من أجل تغيير ما يمكن تغييره؛ فإما أن تعيد تعديل الاتفاقيات بشكل يخدم طرفي المعادلة بشكل واضح وعملي، وإما استبدالها باتفاقيات جديدة تأخذ بعين الاعتبار أمن المنطقة ككل. غير أن الفطام عن هذه الاتفاقيات ليس مجرد قرار سياسي لحظي، بل يتطلب استراتيجيات واقعية لتوطين التكنولوجيا الأمنية والصناعات الدفاعية لتجاوز الارتهان لسلاسل التوريد الغربية.

​وعليه، ستغدو الخيارات صعبة ومؤلمة في ظل توقع ممانعة طرف/أطراف بالمضي في صياغة اتفاقيات وتحالفات تخالف ما كانت تطمح له دول المنطقة من نفوذ سيقوضه ويعيد ترتيبه أي اتفاقيات جديدة بالتأكيد، ودخول دول المنطقة كطرف صراع يقترب رويداً رويداً، وهو ما تدرك دول المنطقة مدى خطورته عليها وعلى شعوب المنطقة ككل.

*​الخلاصة: اتفاقيات أمنية إقليمية قبل انهيار*
​يدرك المطلعون على الأمر أن الخيار المناسب هو شكل جديد من الاتفاقيات الإقليمية لطالما نادى به البعض ولم يلقَ آذاناً صاغية، يجنب المنطقة ويلات الحروب المفتعلة من خارجها، ويمنع انهيار أنظمة تبين للقاصي والداني مدى هشاشة قوتها في ظل عجز الولايات المتحدة الأمريكية عن تنفيذ البنود الأمنية التي وقعت عليها، وفي ظل الكيل بمكيالين في علاقتها بين دول المنطقة والكيان، والعبء الاقتصادي والمالي الناتج عن سياساتها بالمنطقة وأثره المباشر على التنمية والمجتمع، والذي تحتاج دول المنطقة لسنوات لكي تتجاوز ما لحق بها من أضرار، وإلا فإن الصناديق الاستثمارية السيادية ستنضب وتذهب الاحتياطيات التي يسيطر الغرب على جزء مهم منها من خلال النظام المالي العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر.

​إن نجاح هذا البديل الإقليمي يظل مرهوناً ببناء جسور الثقة وتجاوز الخلافات التاريخية بين دول المنطقة أنفسهم للوصول إلى تعريف مشترك للتهديدات. وبناءً عليه، فإن دول المنطقة مطالبة اليوم بـ إدراك التحولات الدولية والتسريع في تنويع خياراتها الاستراتيجية والشراكات متعددة الأقطاب، وإعادة النظر بشكل كامل في خططها التي بنتها لسنوات ضمن دائرة الفلك الأمريكي والخيارات التي سعت من خلالها لتحقيق مكاسب لحظية انعكست بالكامل، وذلك قبل أن يصبح الشرخ عميقاً والأثمان باهظة لدرجة تزعزع أركانها من الداخل.

شاهد أيضاً

الكنيسة الكاثوليكية تنظم ندوة عن “الموت الرحيم”

أقامت الكنيسة الكاثوليكية ندوة عن الموت الرحيم وحاضر فيها سيادة المطران جوزيف معوّض وذلك في …