Screenshot

العروبة… هل أضاعها التاريخ أم أضاعها العرب؟

بقلم: أمين السكافي.

ليست أخطر الهزائم تلك التي تُنتزع فيها الأرض، بل تلك التي يضيع فيها المعنى. فالأرض قد تستعاد في حرب، والحدود قد تُرسم من جديد، أما الأمم التي تفقد فكرتها الجامعة، فإنها تمضي سنوات، وربما قرونًا، تبحث عن نفسها في مرايا الآخرين.

والعروبة، اليوم، تقف أمام هذا السؤال الوجودي: هل كانت يومًا مشروعًا حقيقيًا تعثّر، أم أنها كانت مجرد حلم جميل لم يحتمل صدمة الواقع؟

قبل الإسلام، لم يكن العرب دولة، ولا إمبراطورية، ولا أمةً بالمعنى السياسي. كانوا قبائل متفرقة، يجمعها اللسان وتفرقها العصبية، يحكمها قانون القوة، وتحفظها منظومة أخلاقية نادرة في زمانها؛ الكرم، والشجاعة، والنجدة، والوفاء، وحماية الجار، والاعتزاز بالحرية. كانوا يملكون كل مقومات الشخصية، لكنهم افتقدوا الفكرة التي تحول القبائل إلى أمة.

ثم جاء الإسلام.

لم يأت ليصنع أمة جديدة من غير العرب، بل ليعيد تشكيل العرب أنفسهم أولًا. نقلهم من ضيق القبيلة إلى سعة الرسالة، ومن الانتماء إلى الدم إلى الانتماء إلى القيم، ومن صراع الإخوة إلى صناعة الحضارة.

ولعل أعظم ما فعله الإسلام بالعرب أنه حررهم من أنفسهم قبل أن يحرر بهم الأمم الأخرى.

وخلال عقود قليلة، أصبح أبناء الصحراء يقودون واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية، لا بالسيف وحده كما يحلو للبعض أن يختزل التاريخ، بل بالعلم، والفلسفة، والطب، والرياضيات، واللغة، والإدارة، وبقدرة استثنائية على استيعاب شعوب وثقافات متعددة داخل مشروع حضاري واحد.

لكن التاريخ لا يعرف الثبات.

فكما تتقدم الأمم، تتراجع أيضًا عندما تفقد مشروعها الجامع. ومع ضعف الدولة الإسلامية، عاد الانقسام يتسلل من أبواب العصبية والمصالح، حتى جاء القرن العشرون ليشهد أخطر لحظة في التاريخ العربي الحديث.

لم تكن اتفاقية سايكس–بيكو مجرد تفاهم سري بين قوتين استعماريتين لتقاسم النفوذ، بل كانت إعلانًا عن ولادة شرق عربي جديد، تُرسم حدوده بالقلم لا بالجغرافيا، وبالمصلحة الدولية لا بالإرادة المحلية.

غير أن تحميل سايكس–بيكو وحدها مسؤولية ما وصلنا إليه فيه قدر من الهروب من الذات.

فالحدود تستطيع أن تفصل بين الدول، لكنها لا تستطيع أن تزرع الكراهية بين الشعوب، ولا أن تمنع التعاون، ولا أن تفرض القطيعة الثقافية. ما فعله الاستعمار أنه وضع البذرة، أما نحن فكثيرًا ما تولينا سقايتها، حتى أصبحت الحدود في وعينا أقوى من التاريخ، وأشد حضورًا من اللغة، وأثقل وزنًا من المصير المشترك.

لقد تحول الوطن العربي، الذي كان يُنظر إليه يومًا باعتباره فضاءً واحدًا، إلى مجموعة جزر سياسية، لكل جزيرة مخاوفها، وحساباتها، وتحالفاتها، بل وروايتها المختلفة للتاريخ نفسه.

وفي خضم هذا التراجع، بزغ مشروع حمل في طياته محاولة جريئة لإحياء الفكرة العربية، تمثل في تجربة الرئيس جمال عبد الناصر.

سواء اتفقنا مع الرجل أو اختلفنا معه، فإن إنصاف التاريخ يقتضي الاعتراف بأنه أعاد إلى العربي ثقته بنفسه، وجعل من فكرة العروبة مشروعًا سياسيًا بعدما كادت تبقى مجرد شعور ثقافي.

أصبحت القاهرة، في عهده، عاصمة لآمال الملايين، لا لأنها كانت الأقوى عسكريًا، بل لأنها تحدثت بلغة الأمة كلها. وكانت الوحدة المصرية السورية، رغم قصر عمرها، أول محاولة عملية لتحويل الحلم إلى واقع.

لكن المشروع اصطدم بعقبات داخلية وخارجية. فمن جهة، لم تستطع المؤسسات أن تواكب حجم الطموح، ومن جهة أخرى، واجه مقاومة إقليمية ودولية خشيت من ولادة قوة عربية موحدة. ثم جاءت هزيمة حزيران عام 1967 لتترك جرحًا عميقًا لم يكن عسكريًا فحسب، بل نفسيًا وفكريًا أيضًا.

ومنذ ذلك الحين، تراجع المشروع القومي، وصعدت مشاريع أخرى؛ وطنية، ومذهبية، وإقليمية، ودولية، حتى أصبح العربي يجد نفسه أقرب إلى تحالفات بعيدة من جاره القريب.

واليوم، تبدو الأمة العربية أمام مشهد بالغ التعقيد. حروب أهلية، وانقسامات سياسية، واستقطابات مذهبية، وتنافس اقتصادي، وتدخلات خارجية، فيما تتراجع التنمية، وتتسع الفجوة العلمية، وتهاجر العقول، وتبقى القضية الفلسطينية، رغم رمزيتها المركزية، عاجزة عن إنتاج الحد الأدنى من الإجماع العربي الذي عرفته عقود سابقة.

وهنا يبرز السؤال الذي لا مفر منه: هل انتهت العروبة؟

إذا كان المقصود بالعروبة إعادة رسم الحدود وإلغاء الدول القائمة، فالجواب يكاد يكون مستحيلًا في عالم اليوم.

أما إذا كان المقصود بها بناء فضاء عربي متكامل في الاقتصاد، والتعليم، والبحث العلمي، والطاقة، والأمن الغذائي، والثقافة، والتكنولوجيا، واحترام سيادة كل دولة مع تعزيز المصالح المشتركة، فإن هذا ليس حلمًا مستحيلًا، بل ضرورة وجودية.

إن أوروبا لم تتوحد لأنها تتحدث لغة واحدة، ولا لأنها تمتلك دينًا واحدًا أو تاريخًا خاليًا من الحروب، بل لأنها أدركت أن المستقبل لا يُبنى بالأحقاد القديمة، بل بالمصالح المشتركة.

أما العرب، فيملكون ما هو أكثر من ذلك بكثير: لغة واحدة، وذاكرة حضارية واحدة، وجغرافيا متصلة، وثروات هائلة، وسوقًا بشرية ضخمة، وإرثًا ثقافيًا يصعب أن تجتمع عناصره لأمة أخرى.

لكن كل هذه المقومات تبقى مجرد أرقام إذا غاب المشروع.

إن الأمة لا تعيش على أمجاد الماضي، كما أنها لا تبني مستقبلها بالشعارات. وحدها الأفكار القادرة على التحول إلى مؤسسات، وإلى اقتصاد، وإلى علم، وإلى ثقافة إنتاج، هي التي تصنع التاريخ.

ولعل المأساة الحقيقية ليست أن العرب تفرّقوا، فالتفرق عرفته أمم كثيرة، بل أن بعضهم بدأ يتعامل مع هذا التفرق باعتباره قدرًا نهائيًا لا يجوز التفكير في تجاوزه.

وهنا تكمن الهزيمة.

فالأمم لا تسقط عندما تُهزم، وإنما عندما تفقد الإيمان بإمكان النهوض.

الجملة التي تستحق أن تبقى هي هذه: لم تُهزم العروبة يوم رُسمت الحدود، بل يوم اقتنع العرب أن الحدود هي نهاية التاريخ، وليست مجرد مرحلة فيه.

قد لا تقوم دولة عربية واحدة، وربما لن تعود خرائط الأمس كما كانت، لكن من قال إن وحدة المستقبل يجب أن تشبه وحدة الماضي؟

قد يكون اللقاء العربي القادم أقل صخبًا، وأكثر عقلانية؛ يبدأ من الجامعة، ثم المختبر، ثم المصنع، ثم السوق، ثم الإنسان. وعندها فقط، تصبح السياسة نتيجةً للتكامل، لا شرطًا له.

ويبقى السؤال معلقًا فوق حاضرنا العربي كله: هل نملك الشجاعة لنكتب فصلًا جديدًا من تاريخنا، أم سنظل نقرأ الفصول التي كتبها الآخرون لنا؟

إن التاريخ لا يورث الأمم مستقبلها… بل يمنحها فرصةً لتستحقه .

شاهد أيضاً

عن المرحوم الحاج خليل حويللي ورفاقه وتجربة العمل الخيري والإنساني والديني في منطقة النبعة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي

قاسم قصير يعتبر المرحوم الحاج خليل حويللي رحمه الله وهو من بلدة خربة سلم في …