السياسة كسوق للمكاسب… لماذا يبدّل الناس ولاءاتهم؟ محاولة تفسير علمية !!!!

د. بسام أبو عبد الله .

15 تموز/يوليو 2026

أثار منشورٌ لأحد المعارضين السوريين السابقين تفاعلاً واسعاً بعدما عبّر عن ندمه لأنه لم يكن من مؤيدي النظام، قائلاً إنه لو فعل ذلك لحصل على منصب أو وظيفة كما حصل عليها آخرون ، وبغض النظر عن الشخص أو تجربته، فإن هذا النوع من الخطاب يكشف ظاهرة أعمق من مجرد موقف فردي، إذ يعكس نظرة ترى السياسة وسيلة لتحقيق المكاسب أكثر من كونها مجالاً للأفكار أو المبادئ أو الصالح العام.

واللافت أن هذه الظاهرة ليست حكراً على طرف دون آخر ، فمن الناس من يغيّر ولاءه كلما تغيّرت موازين القوى، مما يطرح سؤالاً أساسياً : هل المشكلة في الأفراد، أم في البيئة السياسية والثقافة التي تنتج هذا السلوك؟

أولاً- السياسة بوصفها أداة للمنفعة :

يفسر علم النفس الاجتماعي هذا السلوك من خلال نظرية الاختيار العقلاني، التي تفترض أن بعض الأفراد يتخذون قراراتهم وفق حسابات الربح والخسارة. فإذا ارتبطت الوظيفة أو النفوذ أو الامتيازات بالموقف السياسي، أصبح الولاء استثماراً، وتحول الانتماء إلى سلعة تتغير قيمتها مع تغير “السوق السياسي”. وهنا لا يكون السؤال: بماذا أؤمن؟ بل: أين تكمن مصلحتي؟

ثانياً- بين البراغماتية والانتهازية :

يميز علم النفس السياسي بين مراجعة المواقف نتيجة قناعة فكرية، وبين تبديلها تبعاً للمصلحة.
وهنا يختلط مفهومان مختلفان؛ فالبراغماتية تعني الثبات على الأهداف مع المرونة في الوسائل، أما الانتهازية السياسية فتعني تبديل المواقف والولاءات كلما تبدلت موازين القوة لتحقيق مكاسب شخصية. وباختصار: البراغماتي يغيّر الوسائل ليحقق أهدافه، بينما الانتهازي يغيّر أهدافه وولاءاته ليحقق مصالحه.

ومن صور ذلك ما يمكن تسميته “التديّن الوظيفي” أو “التديّن الشكلي”، حين يصبح الخطاب الديني وسيلة للتكيف مع السلطة الجديدة واكتساب المنافع، كما ظهرت في مراحل أخرى صيغ مختلفة من تمجيد السلطة أو الشعارات السياسية للغرض نفسه. تتغير الشعارات، لكن الآلية النفسية والاجتماعية تبقى واحدة.

ثالثاً- الزبائنية السياسية… عندما تصبح الدولة غنيمة :

تعرف العلوم السياسية هذه الظاهرة باسم الزبائنية السياسية (Clientelism)، أي ربط الوظائف والخدمات والامتيازات بالولاء السياسي. وعندما يحدث ذلك، يتعلم المواطن أن مستقبله تحدده علاقته بالسلطة أكثر مما تحدده كفاءته، فتتحول الدولة من مؤسسة عامة إلى شبكة لتوزيع المنافع، ويصبح تبدل الولاءات سلوكاً متوقعاً.

رابعاً- لماذا تنتشر الظاهرة في المجتمعات الهشة؟

توضح نظرية عالم النفس الامريكي أبراهام ماسلو- ١٩٤٣ – ( هرم ماسلو ) أن الإنسان يسعى أولاً إلى إشباع احتياجاته الأساسية من الغذاء والأمن قبل الانتقال إلى احتياجات أعلى. لذلك قد تدفع ظروف الفقر أو الخوف بعض الناس إلى تقديم احتياجاتهم الأساسية على التمسك بمواقفهم، وهو ما يفسر بعض السلوكيات دون أن يبررها أخلاقياً.

أما إذا كانت هذه الاحتياجات متوافرة، واستمر تبديل الولاءات بدافع النفوذ أو المال، فإننا نكون أمام انتهازية واعية أكثر من كوننا أمام استجابة لظروف الضرورة. لذلك لا تكفي نظرية ماسلو وحدها لتفسير الظاهرة، بل تتداخل معها الثقافة السياسية، وطبيعة المؤسسات، ومنظومة الحوافز في المجتمع.

خامساً- الخطر الحقيقي… تآكل الثقة :

هذه الظاهرة ليست سورية، بل رافقت تحولات كبرى في دول عديدة، كما حدث بعد انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، حيث انتقل بعض المسؤولين والمثقفين سريعاً من تمجيد الاشتراكية إلى تبني الليبرالية ، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تبدل الولاءات بحد ذاته، بل في انهيار الثقة العامة، حين يقتنع الناس بأن السياسة ليست سوى طريق إلى الوظيفة أو الامتياز، فيحل سؤال: “ماذا سأحصل؟” محل سؤال: “ماذا سأقدم؟”، وتتراجع المواطنة لصالح ثقافة الغنيمة.

سادساً- كيف نكسر الحلقة؟

لا يكون الحل باستبدال منتفعين بآخرين، وإنما ببناء دولة المؤسسات والقانون، حيث تكون الوظيفة حقاً للكفاءة لا مكافأة للولاء، وتحمي الدولة حقوق جميع المواطنين دون تمييز، ويحاسب المسؤول على أدائه لا على ولائه.
عندها تتحول السياسة من سوق للمنافع إلى تنافس على خدمة المجتمع، ويصبح الانتماء للدولة ومؤسساتها أقوى من الانتماء للأشخاص أو شبكات المصالح.

سابعا” – إن أخطر ما يصيب أي مجتمع ليس اختلاف الآراء السياسية، بل اختزال السياسة في اقتصاد للمكاسب الشخصية، بحيث تصبح المواقف قابلة للبيع والشراء مع تغير موازين القوة.
ومع ذلك، يبين علم النفس السياسي وعلم الاجتماع أن هذا السلوك ليس هو القاعدة المطلقة فمعظم الناس يتأثرون بدرجات متفاوتة بظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، بينما تبقى فئة أقل عدداً قادرة على التمسك برؤية بعيدة المدى أو بمبادئ راسخة رغم كلفتها ، ولهذا فإن الشخصيات التي تترك بصمة دائمة في تاريخ الأمم كانت دائماً قليلة.

إن الدولة الحديثة لا تُبنى بالولاءات، بل بالمؤسسات، ولا تُقاس شرعية السلطة بعدد المصفقين لها، وإنما بقدرتها على حماية حقوق جميع المواطنين. فالانتقال الحقيقي ليس من نظام إلى آخر، بل من ثقافة الولاء إلى ثقافة المواطنة، ومن منطق الغنيمة إلى منطق الكفاءة ، وكما قال عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر: “الدولة الحديثة تقوم على سيادة القانون والمؤسسات، لا على الولاءات الشخصية.”

شاهد أيضاً

عبادات شهر صفر المبارك كغيره من الشهور

بقلم العلامة  المجاهد الشيخ  د. جمال شبيب  يُعتبر شهر صفر كغيره من الشهور، وكل ما …