الى احرار العالم اهداء٠٠


بقلم احمد ابو زيد

منذ أن حملت حقيبتي وغادرت
لبناني
ولاية فلوريدا، أدركت أن الغربة ليست مسافة تُقطع بالطائرة، بل امتحانٌ للذاكرة والهوية. لم تكن تلك الرحلة هروبًا من وطن، بل سعيًا نحو أفقٍ أوسع يُنضج تجربتي الإنسانية والفنية. ومع أن الجغرافيا تبدلت، إلا أن نبضي لا يزال في بيروت، وأنفاسي ما زالت تعود إلى تراب جبل عامل، حيث الذاكرة تكبر والقلب يستريح.
الفن بالنسبة لي لم يكن يومًا مهنة أو هواية، بل رسالة سلام وحوار مع الذات. منذ اكتشافي الأول للألوان، أدركت أن الريشة يمكن أن تكون جسرًا بين الإنسان وألمه، بين واقعه وحلمه. حين أرسم، أشعر أنني لا أعبّر عن لبنان فحسب، بل أتنفّسه. كل لوحة تبدأ منه وتنتهي إليه، وكل لونٍ فيها يحمل أثراً من أرضه وحنين ناسه.
عندما أرسم العلم اللبناني مثلا ، لا أتعامل مع الأحمر والأبيض كدرجاتٍ بصرية، بل كنغماتٍ من ذاكرةٍ وطنيةٍ تنبض بوجوهٍ صمدت وعبرت. ولوحتي عن فيروز، التي رسمتها بالرصاص في ليلة اغتراب طويلة، لم تكن مجرّد بورتريه، بل استعادةٌ لملامح وطنٍ كامل، بصوته وإحساسه وصدقه.
الفن عندي مرآة للحالة الإنسانية.
حين يتألم وطني، تنكمش الألوان في لوحاتي تلقائيًا، يعلو الأسود ليحكي وجع الأرض والناس. ومع كل خبر فقدٍ أو انهيار مبنى ، يصبح الرسم وسيلتي الوحيدة للبوح، ألوذ إليه لأحوّل الألم إلى معنى، والفقد إلى رجاء.
الغربة علمتني أن الانتماء ليس ترفًا ولا شعارًا، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية. لذلك، تبقى مبادرتي تجاه لبنان متصلة بزمانين: في أيام السلم أعود إليه لأتنفس هواءه وأطمئن على أحبّتي، وفي زمن الأزمات أسانده بفني وبما أستطيع، بصمتٍ يليق بعظمة الانتماء.
أنا لبناني في الحياة كما في الفن، لا أنتمي إلى صراعٍ ولا إلى طائفة، بل إلى فكرةٍ تؤمن بأن الجمال شكلٌ من أشكال المقاومة، وأن اللون أصدق من الصمت، وأن الإنسان رغم الحرب سيبقى أكبر من الخراب

شاهد أيضاً

*سقوط طاغية… هل ينذر بمقتل فرعون العصر ترامب؟

*✍️: يوسف أبو سامر موسى* لم يكن المشروع الصهيوني يوماً قائماً على قوته الذاتية بقدر …