بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
يا له من زمنٍ ازدحمت فيه وسائلُ التواصل، وقلَّ فيه التواصلُ الحقي. أصبح الوصول إلى الآخرين أسهل من أي وقتٍ مضى، لكن الوصول إلى قلوبهم بات أكثر صعوبة، حتى غدا الاهتمام الصادق عملةً نادرة في عالمٍ يفيض بالاتصالات ويفتقر إلى الاحتواء.
وفي خضم هذا الضجيج، لم يعد الإنسان يبحث عمّن يرسل إليه الرسائل بقدر ما يبحث عمّن يقرأ صمته، ولم يعد ينتظر كثرة الكلمات، بل صدق المشاعر. فليس أثقل على القلب من أن يشعر بأنه حاضر في الأماكن، غائبًا في القلوب، وليس أجمل من أن يجد من يلتفت إليه دون أن يطلب، ويسأل عنه دون مناسبة، ويشعر به قبل أن يبوح بما يعتمل في داخله.
الاهتمام ليس كلمةً تُقال، ولا هديةً تُقدَّم، ولا عادةً اجتماعية تُمارَس بدافع المجاملة، بل هو قيمةٌ إنسانية سامية، وفضيلةٌ أخلاقية لا يتقنها إلا أصحاب القلوب النبيلة. إنه اللغة التي لا تنطقها الشفاه، لكنها تبلغ القلب دون استئذان، وهو البرهان الحقي على صدق المحبة، لأن الأفعال الصادقة تبقى أبلغ من آلاف الكلمات.
ليست أعظم العلاقات تلك التي بدأت بحبٍ كبير، بل تلك التي استمرت باهتمامٍ صادق. فالحب قد يولد في لحظة، أما الاهتمام فهو قرارٌ يتجدد كل يوم، ورسالةٌ صامتة تقول للآخر: أنت ما زلت تعني لي الكثير. لذلك لا تُقاس قيمة العلاقات ببداياتها المبهرة، وإنما بقدرتها على الاستمرار رغم مشاغل الحياة وتقلبات الأيام.
ومن الغريب أن الإنسان قد ينسى كلمات المديح، ويتجاوز أثمن الهدايا، لكنه لا ينسى أبدًا شخصًا انتبه لتعبه حين ادّعى القوة، ولا يدًا امتدت إليه حين ظن أن الجميع قد مضوا، ولا قلبًا شعر بانكساره قبل أن ينطق بألمه. فالاهتمام ليس فعلًا عابرًا، بل هو أرقى درجات الوعي بالآخر، وأسمى صور الإنسانية.
إن الإنسان لا يعيش على الخبز وحده، بل يعيش أيضًا على شعوره بأنه مرئيٌّ في أعين من يحب، وأن وجوده يحدث فرقًا في حياتهم. قد يحتمل الفقر، ويصبر على قسوة الأيام، ويقاوم متاعب الحياة، لكنه ينهزم عندما يشعر بأنه أصبح هامشًا في حياة أقرب الناس إليه. وما أقسى أن يكون المرء قريبًا في المسافة، بعيدًا في المشاعر، حاضرًا بالجسد، غائبًا بالاهتمام.
الإهمال لا يأتي صاخبًا، بل يتسلل بهدوء، كصدأٍ يأكل الحديد من داخله. يبدأ بتأجيل السؤال، ثم نسيان التفاصيل، ثم اعتياد الغياب، حتى تستيقظ العلاقة ذات يوم فلا تجد فيها سوى الذكريات. لذلك لم تكن العلاقات العظيمة ثمرة الكلمات الجميلة وحدها، بل ثمرة الاهتمام الذي يحرسها من برد الأيام، ويحفظها من التآكل البطيء.
والاهتمام الحقي لا يُقاس بعدد الرسائل، ولا بطول المكالمات، ولا بكثرة الوعود، بل بصدق الحضور في اللحظة التي يحتاج فيها الإنسان إلى من يسانده. أن تمنح من تحب وقتًا من عمرك، وأن تحفظ تفاصيله الصغيرة، وأن تطمئن عليه دون مناسبة، فهذه هي المعاني التي تصنع العلاقات الراسخة. فالوقت هو أثمن ما يملكه الإنسان، ومن يمنحك وقته، يمنحك جزءًا من حياته.
لقد أصبحنا نعرف أخبار العالم في لحظات، لكننا نجهل ما يدور في قلوب أقرب الناس إلينا. نلهث خلف الإنجازات، وننسى أن أعظم إنجاز قد يكون كلمةً ترفع معنويات إنسان، أو سؤالًا صادقًا يبدد وحدته، أو حضورًا دافئًا يخفف عنه قسوة الحياة.
إن الاهتمام ليس دليل حبٍ فحسب، بل دليل أخلاق أيضًا. فالإنسان الراقي لا يُعرف بما يملك، بل بما يمنح، ولا تُقاس قيمته بما يجمع، بل بما يتركه من أثرٍ طيب في نفوس الآخرين. وأجمل الناس ليسوا أولئك الذين يلفتون الأنظار، بل الذين يطمئن القلب بحضورهم، ويجعلون الآخرين يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الحياة.
ولعل أجمل صور الاهتمام هي تلك التي لا تنتظر مقابلًا، ولا تبحث عن مديح، ولا تحسب العطاء بميزان المصلحة. إنها تنبع من قلبٍ أدرك أن الإنسانية ليست شعارات تُرفع، بل مواقف تُعاش، وأن أجمل الإرث الذي يتركه الإنسان خلفه ليس مالًا ولا جاهًا، بل قلوبًا أحبته لأنها وجدت فيه الصدق والوفاء.
ليس الاهتمام رفاهيةً عاطفية، ولا مجاملةً اجتماعية، بل هو روح العلاقات، وجوهر الأخلاق، والبرهان الصادق على أن الإنسانية ما زالت بخير. فمن أراد أن يترك أثرًا لا تمحوه السنون، فلا يبحث عن الكلمات البليغة، بل عن قلبٍ يعرف كيف يهتم، لأن الاهتمام هو اللغة الوحيدة التي تسمعها الأرواح قبل الآذان، وتفهمها القلوب قبل العقول.
وحين يغيب الاهتمام، تذبل المشاعر، وتفقد الكلمات معناها، وتصبح العلاقات أجسادًا بلا روح. أما حين يحضر، فإنه يمنح الحياة دفئها، ويزرع في القلوب طمأنينة لا تُشترى، ويترك أثرًا يبقى بعد رحيل أصحابه. فالناس قد تنسى الوجوه، وقد تنسى الأحاديث، لكنها لا تنسى أبدًا من منحها شعورًا بأنها كانت ذات قيمة.
إذا ضاقَتِ الدنيا بقلبٍ مُتعبٍ
فحُسنُ اهتمامٍ يزرعُ النورَ في الدُّجى
وليسَ الغِنى مالًا يُعدُّ ويُقتنى
ولكنْ قلوبٌ بالوفاءِ لها حِمى
إذا غابَ عنكَ الناسُ يومًا كلُّهم
فيكفيكَ قلبٌ بالاهتمامِ قد احتوى
فكُنْ للورى نبعًا من اللطفِ دائمًا
فخيرُ البرايا مَن يُداوي بالوفا
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
