سنّة التدافع الإلهية… حين يسقط المستكبرون ويَرِثُ المستضعفون الأرض

*✍️: أبو سامر موسى*

إن الأمم لا تُبعث من جديد بالأماني ولا تستعيد عزتها بالاستسلام لميزان القوة الذي يصنعه المستكبرون وإنما تنهض حين تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى جعل التغيير سنةً ثابتة وربط النصر بالأخذ بالأسباب فقال تعالى: *﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾* ومن هنا فإن مسؤولية الجيل الصاعد وفي مقدمته الشباب ليست انتظار تبدل الظروف بل صناعة الظروف بدءاً من بناء النفس بالإيمان والعلم والأخلاق والانضباط ثم امتلاك عناصر القوة في الفكر والاقتصاد والعلم والتقنية والإعداد امتثالاً لقوله تعالى: *﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾* فالمعركة الأولى هي معركة الإنسان مع نفسه ينتصر فيها على الخوف واليأس والتبعية والانهزام قبل أن يخوض معركة مواجهة المستكبرين والطغاة. فالأمة التي تبني الإنسان القوي الواعي وتصنع جيلاً مؤمناً برسالته وواثقاً بوعد ربه هي الأمة القادرة على صناعة المستقبل وتغيير موازين القوى لأن الله تعالى جعل النصر ثمرةً للإيمان والعمل والإعداد لا للأماني والانتظار.
وانطلاقا من هنا نقول وبثقة بالله ان حركة التاريخ في المنظور الإسلامي ليست وليدة المصادفات ولا هي محكومة بقوة السلاح وحدها أو بحسابات المصالح العابرة بل إنها تخضع لسنن إلهية ثابتة لا تتبدل ولا تتحول ومن أعظم تلك السنن سنّة التدافع التي تجعل الصراع بين الحق والباطل، وبين الاستكبار والاستضعاف صراعاً دائماً ينتهي في خاتمته بانتصار الحق وتمكين أهله مهما طال ليل الظالمين، وقد رسم القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى: *﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ۝ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾* (القصص: 5-6) هذه الآيات لا تروي حدثاً تاريخياً مضى وانتهى وإنما تؤسس لمعادلة ربانية تحكم حركة الأمم والشعوب عبر الزمن فالمستكبر مهما بلغ من القوة والبطش يحمل في داخله عوامل سقوطه بينما يحمل المستضعف المؤمن إذا أحسن الأخذ بأسباب النهوض بذور التمكين والاستخلاف
لقد تجلت هذه السنة الإلهية في قصة نبي الله موسى عليه السلام حين كان فرعون في ذروة جبروته يملك المال والجيش والسلطان بينما كان بنو إسرائيل يعيشون أقصى درجات الاستضعاف ومع ذلك لم تمنع قوة فرعون من سقوطه ولم يحل ضعف المستضعفين دون نصرهم لأن وعد الله كان أصدق من موازين القوة الظاهرة و تكررت هذه السنة في مراحل متعددة من التاريخ فالإمبراطوريات التي ظنت أن سلطانها أبدي تهاوت أمام إرادة الشعوب والعقائد الحية كما أن أمة الإسلام التي خرجت من جزيرة العرب بإمكانات مادية محدودة استطاعت أن تُسقط إمبراطوريتي الروم والفرس لا لأنها امتلكت تفوقاً مادياً في البداية بل لأنها امتلكت مشروعاً عقدياً وحضارياً غيّر الإنسان قبل أن يغيّر موازين القوى ، غير أن الوعد الإلهي بالتمكين ليس وعداً مجانياً وإنما هو مرتبط بأسباب وشروط يجب أن يحققها المستضعفون حتى ينتقلوا من مرحلة الشكوى إلى مرحلة صناعة التاريخ *وأول هذه الشروط هو التحرر النفسي* إذ لا يمكن لأمةٍ ما زالت أسيرة الخوف والانبهار بالمستكبر أن تصنع نهضتها فالهزيمة تبدأ في النفوس قبل أن تظهر في الميدان و الانتصار يولد أولاً من وعي الإنسان بحريته وكرامته
*وثانيها الإعداد الهادئ والمستمر* فالتغيير لا يقوم على ردود الأفعال وإنما على تراكم القوة وبناء الإنسان والاستعداد الطويل الذي يسبق لحظة التحول الكبرى
*وثالثها رفض التبعية بكل صورها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية* لأن الأمة التي تبقى رهينة لإرادة غيرها لا تستطيع امتلاك قرارها ولا أن تصنع مستقبلها.
*ورابعها امتلاك رؤية استراتيجية تؤمن بأن الهيمنة ليست قدراً دائماً* وأن الاستكبار مهما بدا راسخاً فإنه إلى زوال وفق سنن الله في تداول الأيام بين الناس.
*خامسها فهو بناء فائض القوة في مختلف المجالات بالتوازي مع تآكل عناصر القوة لدى المستكبرين* إذ إن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط فجأة وإنما تبدأ من الداخل بفقدان هيبتها وتآكل قدرتها على فرض إرادتها.
*وسادسها إعادة بناء المنظومة الأخلاقية والقيمية* لأن الاستكبار لا يفرض هيمنته بالسلاح فقط بل يسعى إلى فرض منظومته الفكرية والثقافية والأخلاقية. وعندما تستعيد الأمة هويتها وقيمها المستمدة من دينها فإنها تؤسس لنهضة حقيقية قادرة على إنتاج القوة والاستقلال.
وإذا أسقطنا هذه السنن على واقعنا المعاصر فإننا نرى مؤشرات على تحولات متسارعة في بنية النظام الدولي حيث تبدو الهيمنة الأمريكية أقل قدرة على فرض إرادتها المنفردة في عدد من الملفات كما يواجه الكيان الصهيوني تحديات سياسية وقانونية وعسكرية غير مسبوقة في ظل تنامي مواقف دول وشعوب باتت أكثر جرأة في رفض الإملاءات الأمريكية والإسرائيلية، كما أن تعثر واشنطن في حشد تحالفات واسعة في بعض الأزمات الإقليمية إلى جانب القرارات والإجراءات الصادرة عن المؤسسات القضائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين يعكس جانباً من هذا التحول في المشهد الدولي وإن كانت مآلاته النهائية ما تزال رهن حركة الصراع وسنن التاريخ.
*إن واجبنا أمام هذه التحولات لا يتمثل في الاكتفاء بترقب الأحداث بل في صناعة الإنسان الواعي ونشر ثقافة التحرر وبناء القوة ورفض التبعية وتعزيز الوحدة على قاعدة الإيمان بالله ومواجهة الظلم والاستكبار والتمسك بالهدي الإلهي الذي وعد بأن تكون العاقبة للمتقين.*
إن سنّة التدافع ليست مجرد قراءة للماضي بل هي مشروع للمستقبل ووعد إلهي لا يتخلف لكنه لا يتحقق إلا لمن يستوفي شروطه فالنصر لا يُمنح للمتقاعسين ولا التمكين يُهدى للمنتظرين وإنما يناله الذين يجاهدون أنفسهم أولاً ويبنون قوتهم ويثبتون على مبادئهم ويوقنون بأن وعد الله حق وأن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجر *﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾* ومن هنا فإن مسؤولية هذه الأمة ولا سيما شبابها أن يكونوا صُنّاع المستقبل لا أسرى الواقع وحَمَلة مشروع النهضة لا شهوداً على الهزيمة حتى يستحقوا أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: *﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾*

*✍️يوسف أبو سامر موسى باحث وكاتب سياسي/فلسطين*.
الجمعة 3 تموز 2026

شاهد أيضاً

مأزق واشنطن بين «التفاهم» و«اتفاق الإطار»

محمد السعي. إدريس وقّعت الولايات المتحدة مع إيران «مذكرة تفاهم» لإنهاء الحرب الايرانية. الاتفاق وقّعه …