*دينا الرميمة*
لم تحظَ الكلماتُ التي ألقتها السيدةُ زينبُ عليها السلام في قصرِ ابنِ مرجانةَ بالكوفةِ بالاهتمامِ الكبيرِ، مع أنها لا تقلُّ أهميةً عن خطبتها التي ألقتها في قصرِ يزيدَ بالشامِ. فابنُ مرجانةَ هو الرجلُ الثاني بعد يزيدَ، المسؤولُ عن حادثةِ كربلاءَ والرأسُ المدبّرُ لها. بدأتْ المأساةُ بتغييرِ مواقفِ الناسِ الذين كتبوا إلى الإمامِ الحسينِ عليه السلام يطلبونَ نجدتَه من دولةِ الأمويين، وبايعوه على النُّصرةِ على يدِ ابنِ عمِّه “مسلمِ بنِ عقيل”. ثم على يدِ ابنِ مرجانةَ تغيّرتْ مواقفُهم، بعد أن استطاعَ شراءَ ذممِهم بترغيبِهم بالدراهمِ والدنانيرِ، مستخدماً النساءَ اللاتي أغراهنَّ ببريقِ الذهبِ والفضةِ. وتارةً أخرى بالترهيبِ بجيشِ الشامِ الذي لا يرحمُ، وجيشٍ من العقاربِ والثعابينِ، مستخدماً حرباً إعلاميةً خبيثةً جداً، وحربَ تجويعٍ واحتكارِ الموادِّ الغذائيةِ من قِبلِ التجارِ.
ثم تولّى هو حربَ الطفِّ، فوجدَ الإمامُ الحسينُ نفسَه وحيداً بلا ناصرٍ، وانتهتْ إلى ما انتهتْ إليه: بقتلِ الإمامِ الحسينِ وأهلِ بيتِه وأصحابِه. لتجدَ زينبُ نفسَها أسيرةً مكبّلةً بالأغلالِ مع بقيةِ نساءِ آلِ البيتِ، ومسؤولةً عنهنَّ، بعد أن اقتادَهنَّ جيشُ يزيدَ إلى قصرِ ابنِ مرجانةَ، الذي ظهرَ منتشياً بنصرٍ يتزعّمُه. وأرادَ أن يحرقَ قلبَها برؤيةِ رأسِ الحسينِ مقطوعاً ومحمولاً على أسنّةِ الرماحِ، وهي التي اعتادتْ أن يستقبلَها الحسينُ أينما حلَّتْ. وعلى الرغمِ من هولِ المشهدِ، إلا أنها كانت ثابتةً لم تهتزَّ، واعتبرتْ ذلك استقبالاً منه لها كالعادةِ.
ما أغاضَ ابنَ مرجانةَ، فخاطبَ الأسرى لائماً: “إنّ ما حصلَ هو ما أرادَه الحسينُ لكم. لقد كنتم تعيشون في مدينةِ جدِّكم بسلامٍ، فما الذي حملكم إلينا ببضعِ رسائلَ من رجالٍ خائفين؟ واللهِ إنّ المبايعةَ أسلمُ، ولكانَ الحسينُ بقيَ في دارِه يحصدُ ثوابَ إعطاءِ الفقيرِ، ويأوي المسكينَ، ويفتي في الناسِ”. وكلامُه هنا نفسُ الكلامِ الذي قاله الوليدُ للإمامِ الحسينِ حينَ أرادَه أن يبايعَ يزيدَ، محاولاً تهوينَ الأمرِ بأنّ البيعةَ كلمةٌ، فرآها الحسينُ كبيرةً، وأنها شرفٌ ودينٌ للمرءِ، وجنةٌ ونارٌ، وفرقٌ بينَ نبيٍّ وبغيٍّ.
ومع رؤيةِ ابنِ مرجانةَ لزينبَ ثابتةً، لم تجبْه ولم تتأثّرْ بكلامِه، بدأ بكلماتِ التشفّي بها وبمصابِ آلِ محمدٍ صلواتُ ربي وسلامُه عليه، التي اختزلتْ كاملَ الحقدِ على دينِ اللهِ قبلَ حقدِه على آلِ البيتِ. فكانَ أولَ ما تشفّى به هو حجابَها الذي هتكوَه، حيث قال: “أنتِ زينبُ بنتُ عليٍّ؟ لقد سمعتُ أنَّ أباكِ كان يطفئُ ضوءَ القنديلِ حتى لا يرى ظلَّكِ أحدٌ!”
وهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدلُّ على السترِ والعفافِ اللذين كانتْ تتمتعُ بهما نساءُ بيتِ النبوةِ، والغيرةِ عليهنَّ من قِبلِ رجالِهنَّ. وفي كلماتِ ابنِ مرجانةَ المتشفّي دلالةٌ على تعدّي دولةِ الأمويينَ على حرماتِ النبيِّ، وأنهم هم أولُ من حاربَ الحجابَ والسترَ للمرأةِ المسلمةِ، الذي ينادي به الغربُ اليومَ لسلبِ المرأةِ عفَّتَها وشرفَها الذي صانه الإسلامُ.
ثم أتبعَ حديثَه قائلاً: “الحمدُ للهِ الذي فضحَكم وقتلَكم”؛ فردَّتْ عليه الحوراءُ:
“بل الحمدُ للهِ الذي كرّمَنا بنبيِّه محمدٍ، وطهّرَنا من الرجسِ تطهيراً. إنما يُفتضحُ الفاسقُ ويُكذَّبُ الفاجرُ، وهو غيرُنا!” إشارةً إليه وإلى يزيدَ المعروفِ بفسقِه وفجورِه.
فسألها ابنُ مرجانةَ متشفّياً: “وكيف رأيتِ صنعَ اللهِ بأخيكِ وأهلِ بيتِه؟”
وهنا يأتيها الردُّ المزلُ من الحوراءِ صابرةً محتسبةً، بصبرٍ لم يشهدْ له التاريخُ مثيلاً، حيث قالت: *”واللهِ ما رأيتُ إلا جميلاً”*.
فردَّ عليها متعجباً: “جميلاً أن تريَ قتلَ قومِك؟”
فأجابتْهُ الحوراءُ: “إنَّ هؤلاءِ قومٌ كُتبَ عليهم القتلُ، فبرزوا إلى مضاجعِهم، وسيجمعُ اللهُ بينكم وبينهم فيحاجُّ ويخاصمُ، فانظرْ لمن الملكُ يومئذٍ يا ابنَ مرجانةَ”.
فكانتْ مناداتُها له بـ”ابنِ مرجانةَ” أكثرَ كلمةٍ تغيظُه، لأنها إشارةٌ له بأنه مجهولُ النسبِ!
ولذلك ردَّ عليها غاضباً: “الحمدُ للهِ الذي شفى قلبي بقتلِ طاغيتِك الحسين!”
فردَّتْ عليه: “إنْ كانتْ قرّتْ عينُك بقتلِ الحسينِ، فقد كانتْ عينُ رسولِ اللهِ تقرُّ برؤيتِه، وكان يُقبِّلُه ويحملُه هو وأخاه على ظهرِه، فاستعدَّ غداً للجوابِ!”
مما جعلَه يخرجُ عن طورِه ليقولَ: “إنه من الواجبِ قطعُ ألسنةِ أبناءِ عليٍّ”.
فردَّ عليه الإمامُ زينُ العابدينَ عليه السلام بقولِ ربِّه: ﴿أَفَمَن بَاءَ بِرِضْوَانٍ مِّنَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 162].
فهمَّ بقتلِه بعد أن عرفَ أنه لا يزالُ هناك بذرةٌ من آلِ محمدٍ يمكنُها أن تُبقيَ نسلَه، إلا أنَّ زينبَ عليها السلام وقفتْ حائلاً دونه تمنعُه عنه. فأتاه أحدُ مستشاريه قائلاً: إنَّ عليّاً به مرضٌ يكفيه مغبّةَ قتلِه. فردَّ ابنُ مرجانةَ متشفّياً: “إنَّ المرضَ أشدُّ وطأةً عليه من الموتِ!”
ولكن مشيئةَ اللهِ كانتْ الأقوى، فأصبحَ عليٌّ هو النسلَ الذي يملأُ الأرضَ من ذريةِ آلِ البيتِ، الذين لا يزالُ الدينُ قائماً بهم ومحفوظاً إلى قيامِ الساعةِ؛ رغمَ ما يتعرضونَ له من قتلٍ ومؤامراتٍ وخذلانٍ، كانتْ كربلاءُ هي أساسَه، كما كانتْ في ذاتِ الوقتِ هي المنهجيةَ لكلِّ الأحرارِ في هذا العالمِ.
وكانتْ زينبُ عليها السلام هي اللوحَ الذي حفظَ حقيقةَ ما حدثَ في كربلاءَ، ونقّاها من التشويهِ والتزييفِ، وأخرجَها للأمةِ منهجيةً حيّةً لا تزالُ تحيا ولا تُطوى، وتُذكرُ مع كلِّ مظلوميةٍ يرتكبُها كلُّ يزيدٍ على مرِّ الأزمانِ. وأصبحتْ زينبُ مثلاً وقدوةً في السترِ والحياءِ والشجاعةِ، وجبلاً للصبرِ لا تزحزحُه عواصفُ الدهرِ، وتهونُ أمامه كلُّ نوائبِ الزمانِ والمكانِ.
—
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
