بقلم الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
ثمة أوطانٌ تُرهقها الحروب، وثمة أوطانٌ تتحول فيها الحرب إلى قدرٍ يومي يقتات من أعصاب الناس وأحلامهم. أما لبنان، فيقف اليوم عند تخوم الوجع، كقصيدةٍ ممزقة الأوراق، تتنازعها رياح السياسة ونيران الحروب، فيما يحاول أبناؤه جمع كلماتها المبعثرة كي لا تضيع الحكاية كلها.
لم تعد الشوارع مجرد مساحاتٍ تعبرها الخطى، بل صارت أرشيفًا مفتوحًا للخوف والانتظار. الجدران التي كانت تحفظ ضحكات العائدين من أعمالهم، تحمل اليوم آثار القلق، والنوافذ التي اعتادت استقبال الضوء، باتت ترقب السماء كما لو أنها تقرأ مصيرها في حركة الغيوم.
في هذا المشهد المثقل بالدخان والأسئلة، تتشابه الأيام حتى يكاد الزمن يفقد ملامحه. يصبح الإنسان كمن يسير داخل مرآة مكسورة، يرى صورته في عشرات الشظايا، لكنه يعجز عن جمعها في صورةٍ واحدة. تتزاحم الأخبار، وتتوالى التهديدات، وتكبر المسافات بين ما نحلم به وما نعيشه، حتى يغدو الحنين إلى الحياة البسيطة شكلًا من أشكال المقاومة.
لبنان اليوم يشبه سفينةً قديمة تتقاذفها أمواجٌ غاضبة من كل الجهات. تتعب أشرعتها، وتئن ألواحها تحت ثقل العواصف، لكنها ترفض الغرق. وكأن في أعماقها سرًا لا تعرفه البحار، يدفعها في كل مرة إلى النجاة رغم كل ما يحيط بها من أخطار.
في القرى التي اعتادت أن تكون على تماسٍ دائم مع النار، يقف الناس كأشجار الزيتون؛ تنحني أغصانهم تحت الريح، لكنها لا تنكسر. الأمهات يخبئن خوفهن في أدراج الصمت، والآباء يوزعون الطمأنينة على أبنائهم بينما تتآكل الطمأنينة في داخلهم. أما الأطفال، فيكبرون قبل أوانهم، يتعلمون أسماء الأسلحة قبل أسماء الطيور، ويحفظون أصوات الانفجارات أكثر مما يحفظون أغاني الطفولة.
ومع ذلك، لا تزال الحياة تجد طريقها بين الشقوق. ثمة وردة تنمو قرب جدارٍ متصدع، وضحكة تنجو من بين الركام، وأمل صغير يرفض أن يغادر القلوب. تلك التفاصيل العابرة هي التي تمنح هذا الوطن قدرةً استثنائية على البقاء، وتجعله يتحدى كل ما كُتب له من نهايات.
لعل أكثر ما يؤلم في الحروب أنها لا تهدم البيوت فقط، بل تحاول هدم الإنسان من الداخل؛ أن تسرق منه يقينه، وأن تجعله يشك في الغد وفي جدوى الأحلام. لكنها كثيرًا ما تفشل أمام إرادة شعبٍ اعتاد أن يصنع من الألم قوة، ومن الخسارات دروسًا جديدة للحياة.
ومن بين غبار الأيام الثقيلة، يظل لبنان واقفًا كمنارةٍ جريحة على شاطئ الشرق. تتكسر عند أقدامها أمواج المحن، لكنها تبقى مضيئة. فالأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد جراحها، بل بقدرتها على النهوض كلما ظن الآخرون أنها سقطت.
وحين ينقشع دخان الحروب يومًا، لن يبقى في الذاكرة صوت الانفجارات وحده، بل ستبقى أيضًا حكايات الصابرين الذين حموا المعنى من الضياع، وتمسكوا بالحياة حين كان الموت أقرب من الضوء. وعندها سيدرك الجميع أن لبنان لم يكن مجرد وطنٍ نجا من العاصفة، بل روحًا عصية على الانكسار، كلما سقطت نهضت، وكلما أُثقلت بالجراح ازدادت تعلقًا بالحياة.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
