جمانة كريم عياد.
لم يكن الإمام الحسين عليه السلام حدثاً عابراً في سجلّ التاريخ، ولا ثورةً مؤقتة أملتها ظروف سياسية آنية، بل كان مشروعاً نهضوياً متكاملاً، أعاد تعريف معنى الثورة، وحدود الطاعة، ومفهوم الكرامة الإنسانية. لقد جسّد في كربلاء أعلى معاني الإباء والثبات، وبلغ ذروة هذا الموقف في كلمته الخالدة:
«هيهات منا الذلة»، رافضاً مبايعة يزيد مهما بلغت الضغوط.
أولاً: النهضة الحسينية… ثورة الإصلاح لا ثورة السلطة
لم يخرج الإمام الحسين عليه السلام طلباً لحكم، ولا سعياً لسلطة، بل خرج بوضوحٍ لا يقبل التأويل، محدداً هدف نهضته في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، حين قال:
«إني لم أخرج أشِرًا ولا بَطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب».
بهذا الإعلان، أسّس الإمام الحسين عليه السلام قاعدة الثورة الأخلاقية:
أن يكون الإصلاح غاية، وأن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعلاً سياسياً واعياً، لا شعاراً وعظياً مجرداً.
ثانياً: الكرامة أو الموت… فلسفة الرفض الحسيني
في كربلاء، لم يكن الإمام الحسين عليه السلام مخيّراً بين الحياة والموت، بل بين الحياة في ذل والموت في عز. فكان موقفه حاسماً لا لبس فيه:
«لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد».
«إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً».
«موت في عزٍّ خير من حياة في ذل».
هذه المقولات لم تكن انفعالاً لحظة مواجهة، بل نظرية مقاومة كاملة، تجعل من الشهادة أداة لكشف الظلم، لا نهاية للمشروع.
ثالثاً: خطاب الوعي وقطع الذرائع
حتى في ذروة الحصار، لم يتخلَّ الإمام الحسين عليه السلام عن منهج الحجة والوعي. ففي خطبته يوم عاشوراء، خاطب القوم قائلاً:
«أيها الناس، انسبوني من أنا… ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمه… أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟»
بهذا الخطاب، أسقط الإمام كل محاولة لتبرير الجريمة، وحوّل المعركة من مواجهة عسكرية إلى محاكمة أخلاقية أمام التاريخ.
رابعاً: من الدم إلى الوعي… كيف انتقل إرث الحسين إلى هذا العصر؟
لم تنتصر كربلاء بالسيف، بل بالتحوّل التاريخي للدم إلى وعيٍ دائم. فقد أصبحت الثورة الحسينية مرجعاً لكل حركة تحرر واجهت الهيمنة والاستبداد، لأنها لم تكن ثورة فئة، بل ثورة إنسانية شاملة.
خامساً: من كربلاء إلى محور المقاومة
يمثّل محور المقاومة في الخطاب السياسي المعاصر امتداداً واعياً لثورة الإمام الحسين عليه السلام، حيث تُستَلهَم منها قيم:
مواجهة الظلم،رفض الاستبداد،
نصرة المستضعفين.
العقيدة والوعي
يُنظر إلى الصراع الحالي بوصفه تجسيداً معاصراً لمواجهة مشاريع الهيمنة، استناداً إلى الشعار الحسيني العملي:
«ما تركتك يا حسين»
بوصفه منهجاً في الثبات لا مجرد هتاف.
تحرير الإرادة:
تشكل المواقف الميدانية الداعمة للمستضعفين، وعلى رأسهم فلسطين، تطبيقاً مباشراً لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعده السياسي التحرري.
الشهادة والانتصار:
تستمد قوى هذا المحور قوتها من ثقافة كربلاء، معتبرة أن التضحيات والشهادة في طريق الحق هي طريق الانتصار الحقيقي، لا الهزيمة.
سادساً: السيد حسن نصر الله… الامتداد الحسيني الحي:
في هذا السياق، كان الشهيد الاقدس السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه،يقدم نموذجاً معاصراً للقيادة التي حوّلت كربلاء من ذكرى إلى برنامج عمل.
في مثل هذه الأيام من كل عام، كان السيد نصر الله يكرّس وقته للمجالس العاشورائية، حيث:
يعقد مجالس يومية مركزية يقرأ فيها بنفسه المصرع الحسيني،
يستعرض دروس كربلاء بوصفها خارطة طريق للصمود،
يدمج الخطاب الديني بالتحليل السياسي، محدداً مواقف المقاومة من القضايا الإقليمية والدولية،
ويتصدّر المسيرات الجماهيرية في العاشر من محرم، مخاطباً الحشود من موقع القائد والمؤمن معاً.
لقد علّم هذا القائد الملهم جماهيره حب القيادة التي تضحي، والتي تقدّم نفسها ووقتها وأمنها، بل وكل ما تملك، في سبيل دين الله وكرامة الأمة.
خاتمة: الحسين… بوصلة الثورات
الحسين عليه السلام لم يمت، لأن الظلم لم يمت.
وكلما تجدد الظلم، تجدد الحسين في الوعي، وفي الموقف، وفي الفعل.
من كربلاء إلى فلسطين، ومن دم الحسين إلى خطاب المقاومة، تتشكّل سلسلة واحدة من الرفض، عنوانها أن الكرامة لا تُؤجَّل، وأن الحق لا يُقايَض، وأن الثورة حين تكون لله…
لا تموت.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
