نزلتُ أنا.. ليصعدوا هم إلى الحياة” قصة المجاهد السوري الجريح في جنوب لبنان


🖋️ رضوان حسين وعيلليست كل البطولات تُكتب بالرصاص، ولا كل الشهادة تُنال في ساحات الاشتباك. هناك بطولات تُكتب بخطىً واهنة، وبقرارٍ يُتخذ في لحظة بين الحياة والموت، لا لإنقاذ النفس، بل لإنقاذ الآخرين.

هذا ما سطره مجاهد سوري جريح، كان يقاتل إلى جانب إخوانه في جنوب لبنان، حيث امتزج الدم السوري باللبناني والفلسطيني في خندق واحد ضد عدو واحد.

المشهد: سيارة إسعاف.. وتهديد بالقصف
بعد إصابته في مواجهة مع العدو الصهيوني، كان الجسد المثخن بالجراح مسجى في سيارة إسعاف تشق طريقها بصعوبة بين ركام القرى الجنوبية. كان الأمل أن يصل إلى مشفى، أن يُضمد جرحه، أن يعود ليقاتل من جديد.

لكن العدو الذي تجرد من كل معاني الإنسانية، لاحق سيارة الإسعاف. طائراته المسيّرة تحوم فوقها، وتهديده كان واضحاً عبر اللاسلكي: “سلموا لنا الجريح.. أو نقصف السيارة بمن فيها”.

في الداخل، مسعفون مدنيون، وسائق أنهكه التعب، وجرحى آخرون. حياة كل هؤلاء صارت معلقة بقرار رجل واحد، جريح لا يقوى على الوقوف.

القرار: فداءٌ يمشي على قدمين
هنا تجلت عظمة الروح الجهادية في أبهى صورها. لم يتردد، لم يساوم، لم يطلب النجدة.
طلب من المسعفين أن يفتحوا الباب الخلفي. حاول أن ينهض، فخانه جسده الممزق. استند على جدار السيارة، وجرّ جراحه جراً، ونزل مترجلاً على قدميه النازفتين.

وقف في العراء، أمام طائرات العدو، رافعاً رأسه، كأنه يقول لهم: “ها أنا ذا.. خذوني أنا، ودعوا هؤلاء يمضون إلى الحياة”.

لقد سلّم نفسه، لا ضعفاً ولا استسلاماً، بل فداءً. اختار أن يكون هو الثمن، لكي لا يُقتل مسعف، ولا تُحرق سيارة إنقاذ، ولا يُضاف مدني بريء إلى قائمة الضحايا.
لقد طبق قول الله: “وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ”. وكانت خصاصته هنا هي الجراح والموت والأسر.

أي مدرسة أخرجت هذا الرجل؟
هذه ليست شجاعة لحظة، بل هي عقيدة ترسخت في القلب. مدرسة المقاومة لا تعلّمك كيف تقتل عدوك فقط، بل تعلّمك قبل ذلك كيف تحمي شعبك، وكيف يكون دمك أرخص من دمعة طفل، وأهون من صرخة أم.

هذا المجاهد السوري فهم أن معركته مع الصهاينة معركة قيم قبل أن تكون معركة سلاح. فإذا كان العدو يستهدف سيارات الإسعاف، فهو سيحميها بجسده. وإذا كان العدو يريد قتل الأبرياء، فهو سيفتديهم بنفسه.

رسالة إلى العالم الأصم
يا من تتشدقون بالقانون الدولي والإنساني:
هذه هي أخلاق مجاهدينا. يُسلّم نفسه للعدو كي لا تُقصف سيارة إسعاف.
وتلك هي أخلاق عدوهم: يهدد بقصف سيارة إسعاف ليأسر جريحاً.

فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وأيهما أحق بالإدانة؟

هذا الشاب السوري الجريح، الذي لا نعرف اسمه، قد يكون الآن في زنازين الاحتلال، أو قد يكون ارتقى شهيداً تحت التعذيب. لكن موقفه ذاك سيبقى وساماً على صدر الأمة، ودرساً في الفداء، ودليلاً ساطعاً على أن من يقاتل في جنوب لبنان لا يدافع عن أرض فقط، بل عن شرف الإنسانية كلها.

سلامٌ عليك يوم نزلت من السيارة، وسلامٌ عليك يوم تُؤسر، وسلامٌ عليك يوم تبعث حياً.
لقد انتصرت في اللحظة التي ظنوا أنهم أسروك فيها. لأنك اشتريت بجراحك حياة الآخرين، وهذا هو النصر الذي لا يعرفه الجبناء.

شاهد أيضاً

محافظ بيروت رعى أعمال سيمبوزيوم وطني نظمه منتدى الفن التشكيلي والمجلس الثقافي الانمائي لمدينة بيروت بعنوان “لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه” بمشاركة 50 فنان في حديقة الصنائع*

برعاية محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود نظم منتدى الفن التشكيلي برئاسة الفنان التشكيلي علي …