– . بقلم: أمين السكافي
للأسف، ليست هذه المرة الأولى التي يخرج فيها أحد المسؤولين المفترض بهم الدفاع عن سيادة لبنان وكرامة أبنائه، ملوّحًا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بأن ما وُضع على الطاولة هو الفرصة الأخيرة، وأن البديل عن القبول به سيكون مجهولًا محفوفًا بالمخاطر. غير أن ما يجهله الرئيس، أو يتجاهله، أن هذه العبارة قيلت لنا مرارًا وتكرارًا على امتداد عقود طويلة وفي محطات مفصلية عديدة، لكنها لم تنجح يومًا في تحقيق الغاية المرجوة منها.
والسبب بسيط؛ فنحن لا نبحث عن الحياة بأي ثمن، ولا نقبل أن تكون الكرامة الوطنية ثمنًا للاستقرار المزعوم أو السلام المفروض. ولسنا، بطبيعة الحال، طلاب حروب أو دعاة موت وخراب، لكننا أبناء ثقافة ترى في الكرامة قيمة لا تقل أهمية عن الحياة نفسها. لذلك نرفض الفتات الذي يُرمى إلينا على موائد التسويات، ولا نقبل إلا أن يكون لبنان شريكًا كاملًا في صناعة القرار السياسي والدبلوماسي، لا مجرد متلقٍ لما يُفرض عليه من الخارج.
حين وقع الاختيار على جوزاف عون ليكون رئيسًا للجمهورية، كان القاصي والداني يعلم أن وصوله جاء في سياق التفاهمات والضغوط التي رافقت المفاوضات الهادفة إلى وقف الحرب. يومها قيل إن انتخابه كان مطلبًا أميركيًا وأحد الشروط الأساسية لإنجاز تلك التفاهمات. ومع ذلك، منح كثيرون الرجل فرصة، انطلاقًا من كونه ابن المؤسسة العسكرية وخريج مدرستها، وافترضوا أنه لن يذهب بعيدًا في خياراته السياسية، وأنه سيحافظ على الحد الأدنى من التوازن الوطني.
إلا أن الوقائع اللاحقة، وللأمانة التاريخية، أظهرت أن الرئيس وحكومته ذهبا أبعد مما توقع كثيرون في تنفيذ ما يُطلب منهما. بل إن أداءهما السياسي جعل بعض من سبقوهما يبدون أقل اندفاعًا في هذا المسار، وخصوصًا في ما يتعلق بالتفاوض مع الكيان الإسرائيلي.
فحتى بشير الجميل، على الرغم من كل ما يُقال عن تجربته السياسية والعسكرية وما يحيط بها من جدل، حاول عندما طُرح موضوع توقيع اتفاق مع إسرائيل أن يناور ويراوغ وأن يؤخر الذهاب إلى تلك الخطوة، إدراكًا منه لحجم التداعيات العربية والإسلامية التي يمكن أن تترتب عليها. وقد أثار ذلك يومها غضب شخصيات إسرائيلية بارزة، على رأسها شارون وبيغن، اللذين كانا ينتظران منه موقفًا أكثر وضوحًا وانسجامًا مع تطلعاتهما.
أما اليوم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: كيف يمكن تبرير مثل هذه الاتفاقيات أو التفاهمات؟ وعلى أي أساس تُبنى؟ ومن قال أصلًا إن المشكلة محصورة بحزب الله أو حركة أمل فقط؟ فالمسألة، بالنسبة إلى كثيرين، تتجاوز هذين الطرفين لتشمل كل ما يمثل التيارات الإسلامية والوطنية واليسارية، وكل ما يرتبط بتاريخ المقاومة اللبنانية بمختلف عناوينها، بما في ذلك جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية “جمول”، وما انضوى تحت لوائها من مفكرين ومثقفين ومناضلين وأحزاب.
ومن هنا نعود لنؤكد أننا لسنا على استعداد للعودة إلى التجربة المشؤومة التي عاشها لبنان خلال خمسة عشر شهرًا من الاستباحة الإسرائيلية المتواصلة. كما أننا لا نرى حلًا مقبولًا، ولو على مضض، إلا من خلال انسحاب إسرائيلي كامل إلى داخل فلسطين المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى، ووقف جميع الأعمال العدائية والانتهاكات بحق الأراضي اللبنانية، مهما كان حجمها أو مساحتها، ولو تعلق الأمر بشبر واحد من الأرض.
وباختصار، فإن الحد الأدنى المقبول هو العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. أما ما دون ذلك، فلن يكون سوى محاولة جديدة لإعادة إنتاج أزمات الماضي بصيغ مختلفة.
ومن يظن أن الزمن قد تغيّر إلى الحد الذي يسمح بفرض الوقائع بالقوة، عليه أن يتذكر أن القوى التي أسقطت اتفاق السابع عشر من أيار، والتي أخرجت لبنان من الحقبة الأميركية ـ الصهيونية التي حاولت فرض نفسها بعد عام 1982، ما زالت حاضرة في الوجدان الشعبي وفي مختلف الساحات السياسية والوطنية.
وإني لكم ناصح أمين: لا تأخذوا البلاد إلى مكان قد تصبح العودة منه شديدة الصعوبة، مهما بلغت قوة الدعم الخارجي الذي تستندون إليه، ومهما اجتمع العالم خلفكم، لأن الشعوب التي تتمسك بكرامتها وتاريخها لا يمكن إخضاعها بالضغوط ولا إرغامها على القبول بصفقات الذل .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
