عبد الغني طليس
ألومُك يا أمال وأنت شهيدة..
ألومُ اندفاعك المهني والوطني الذي تحدّيتِ به المخاطر عشرات المرّات، وفي كل مرّة كنتِ تعودين أقوى وأصلب وأنقى..
ألوم قناعتك الراسخة بأنك في بلد سوف يقوم من وَحْلِهِ ومن مزبلته الأبدية ليرى الشمس والحياة الحرة والسيادة والاستقلال والكرامة بفضل مقاومة إسرائيل التي ستثبتُ للشعب اللبناني الأحمق الجاهل المنتشر فيه كلابٌ أبناء كلاب..أننا أهلُ النوْر.
كنتُ أتساءل لماذا لا تجلس هذه الصبية في مكتبها ببيروت فتقرأ وتكتب من دون معاقرة خطر الموت، وعلى ماذا تستند في صولاتها وجولاتها أمام عدوّ لا يرى، ولبنانيين لا يستفيقون من الحقد، وإعلام لا رَبّ له ولا دين يخلط الورد بالقنافذ، والصحّ بالخطايا، والحق بالدعارة !
سيبكي عليكِ إحباؤك، رفاقُك، وسيكتب الذين يكتبون كلمات كلمات كلمات.. ولكن خلَص. رحلَت أمال خليل. وبعد الدفن سينتهي الكلام ليبدأ العدّ العكسي في حياة أحد آخر من المؤمنين بالرسالة. وسيرحل. وسنكتب كلمات كلمات كلمات ولا شيء آخَر. وهكذا.
كنتِ تريدين الاستشهاد كبطلة. وواجهتِ إمكان الموت مباشرةً باستمرار، وكنتُ كل مرة أقول هالبنت خَوتا. وأسكت. وأعود وأراكِ في الميدان وأردد أكيد هالبنت خَوتا ، وأسكت. وظللتُ أقول هالبنت خَوتا حتى سكتتِ أنت وما زلت أنا أكرر هالبنت خَوتا!
كان ينتظرك العدو. وكنت أتوقع أن يطالك في يوم. ذلك أنك لم تحاذري. وربما اعتقدتِ أنك صحافية ولن يجرؤ العدو على استهدافك. قلت لك خَوتا. فالعدو استهدف الصحافيين عشرات المرات، وحتى إبن آوى وزير الإعلام بول مرقص لم يسأل عنهم. هذا الوغد يسأل عن المُعبِّرين عن قناعاته السياسية الفأريّة ( من الفئران!) لا عن الفدائيين والفدائيات في إعلام لبناني تلفزيوني تحديداً بات برعايته مصنعاً للشراميط اللواتي تُفَنْجِر كل واحدة عينيها لمنظر البترودولار، ولا تعي شيئاً آخَر.
لا رئيس البلد رئيس بل رِجْل كرسي في قصر. ولا رئيس الحكومة رئيس حكومة بل رِجْل أخرى في قصر. وبين القصرين رجال كثُر لكنهم أرْجُل كراسٍ. فماذا كنتِ تنتظرين وماذا يا أمال؟
ألومك يا أمال. فلا البلد يستحق. ولا المهنة تستحق. ولا العصامية تستحق ولا شيء. ألومك لأن مَن لديها هذا الجموح القاتل إلى العمل لا يُقال لها في زماننا حتى شكراً.
لكنْ أعتذر منك كونك اخترتِ الطريق ومشَيتِه، اخترتِ الموت بيدي عدوّ الله والإنسانية عامدة متعمّدة. والذين مثلك لا يُلامون. هم قرروا. وهم نفّذوا. وهم صعدوا إلى السماء.
ستضحك منك الكثيرات. سيضحكن عليك كيف كنتِ ومَن كنتِ وإلى أين سرْتِ، بيدين صافيتين ووجدان ناصع وعقل حارق خارق، وسيَقُلن للجميع أرأيتم الرسالة أين تأخذ صاحبها وصاحبتَها ؟
بعد بكير يا أمال. لم تؤذي العدو بالقدر الذي كنتِ تحلمين وتعملين. لا أدري. ربما آذَيْتِه أكثر مما نظن حتى استغلّ لحظة كان قادراً فيها أن يغيّبكِ . وغيّبك. وفي غيابك درس خصوصي وعام، درس لمَن في رأسه فكرة قاتلة !
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
