*إنها ليست عنزة يا أصحاب البط والغربان*

مقال كتبته في ١٨ آب ٢٠٢٣

أعيد نشره للأهمية بعد أن ذكرني به أحد الأحباء على قلبي.

 

بقلم علي خيرالله شريف

للمَثَلِ قصتان، الأولى تقول أن صديقين تجادلا حول شيءٍ أسوَد اللون رأَياهُ من الأسفل في ذُؤابَةِ شَجَرةٍ عالية، فقال الأول، وهو أكثرهما عناداً، أنها عنزة، وقال الثاني أنها غراب فكيف للعنزة أن تصعد إلى هذا العُلوِّ الشاهق، ولما طار الغراب قال الأول: مع ذلك “إنها عنزة ولو طارت”. أما القصة الثانية للمثل فتحكي عن رجلٍ كان يقتني بطة، فاصطحبها إلى السوق وراح ينادي “عنزة للبيع”، ولما عجزَ الناسُ عن إقناعِهِ أنها بطة أمسك أحد المارة بهذه الأخيرة وأطلقها لتطير ويبرهن له خطأه، ولكن الرجل أجابه مع ذلك بأنها “عنزة ولو طارت”.
والبعض في لبنان يتصرفون هكذا أمام الحقائق، على قاعدة “عنزة ولو طارت”، إذ هم لا يريدون أن يقتنعوا مثلاً أن السلاح الذي كان في الشاحنة على “كوع الحكالة” لم يكن يوماً للداخل، بل هو نفسه السلاح الذي جعل رجال الدين والكهنة والسياسيين، يجلسون على كراسيهم المخملية، ويطلقون عِظاتِهِم النارية من مذابحهم الماوردية ومن منابِرِهِم التقية، بكلِّ أمنٍ وأمان وألمَعِيَّة. وهو نفسه السلاح الذي جعل لِلُبنانَ كرامةً وطنية، وسياجاً حصيناً، وقوةً لا تُقهَر.
فكيف السبيل إلى إقناع هؤلاء بأن من حَرَّرَ وَحَمَى، لَهُ أولوية البقاء والحماية من الضياع، بل له وحده الأفضلية أن يُهدَى إليه مجد لبنان، إذ لولاه ما كان بقي للبنان مجدٌ ولا وجود، بل إنَّ شرطُ بقاء لبنان يرتبطٌ بحفظه برمش العين؟
كيف السبيل إلى إقناعهم بأن مَن يسعى إلى إشعال الحرب الأهلية لا يمكن أن يكون إلا عدواً للوطن حتى ولو تجلبب بأعلام لبنان، ولو حفظ كل الأغاني الوطنية، وأجاد كل الدبكات الفولكلورية، لأنه يعيش سجين عقلية فئوية وعنصرية، يتشبثُ بها حتى ولو أحرق نفسه وأحرق الوطن بما فيه. هو يتشبثُ بالمذهبية والطبقية في زمن التغني بالمساواة والتبجح بالديمقراطية.
بعض أصحاب الصولجانات الدينية لا يقيمون وزناَ لغيرهم من اللبنانيين حتى ولو كانوا يحملون تلك الجنسية “المهضومة” قبلهم بألف سنةٍ ضوئية. ويعتبرون أن الرجال الذين بذلوا الدماء من أجل الوطن جنوباً وشرقاَ وبحراً ونفطاً، لم يكونوا سوى خَدَم عندهم، وقد حان الوقت أن يستغنوا عن خدماتهم، وها هم يريدون توجيه كتاب الصرف من الخدمة إليهم، تماما كما يفعلون مع المعلمين في مدارسهم الرعوية قبل الخامس من تموز من كل عام.
لقد غاب عن بال بعض الكهنة أنهم ليسوا سرّ الكون، وليسوا الآمر الناهي في لبنان. وغاب عن بالهم أيضاً أن لهم شركاء في هذا الوطن ولا يمكن أن يتقرر مصيره إلا بمشاركتهم. ولا يَهِمُّ هؤلاء الكهنة شِدَّةُ تواضُعِ شركائهم، وربما هم يكرهون هذا التواضع فيهم، لأنهم يعتبرونه من أسرار قُوَّتهم. وهل هناك أعظم من مكارم أخلاقهم إذ يرفضون أن يستغلوا انتصاراتهم على العدو لكي يستأثروا بأي قرارٍ على صعيد مستقبل الوطن؟ هم لا يريدون أن يستأثروا رغم أن البعض كانوا متكئين على الأرائك ينظرون إليهم يقدمون الدماء والتضحيات. وبالمقابل جعل هؤلاء الكهنة من زيارة كيان العدو رسالةً كهنوتية أصرَّوا على تأديتها رغم معارضة رئيس الجمهورية والحكومة والقيادات الشريكة في الوطن، تَفَرَّدوا برأيِهِم لأنهم يعتبرون أنفسَهُم الآمِر الناهي الذي يستمد سلطته من الله ولا يحق لأحدٍ معارضتهم. ضربوا كل الاعتراضات عرض الحائط وراحوا يطبطبون على أكتاف من تآمر على الوطن وأهان كرامته وتعامل مع العدو لقتل أهله.

كيف السبيل إلى إقناع هؤلاء أن الدولة هي مطلبنا الأول والأخير، وأن الجيش تاج رؤوسنا، وأن حُلمَنا هو أن يُصبُح لدينا دولة عادلة وجيشاً قوياً حُرّاً طليقاً غير مُقَيَّد بأغلال دولةٍ عظمى متغطرسة أو سفارةٍ وقحة أو أي كيانٍ أو أميرٍ أو ملكٍ أو ولي عهد. عندها فقط لن يتجرأ العدو على غزونا واحتلال أرضِنا، فتكتملُ سيادتُنا ويُصانُ استقلالنا، ونحتفظ بكل ما أوتينا من قوة نرهب بها عدوَّنا؟

كيف السبيلُ إلى تذكير هؤلاء، من كل المواقع والمقامات، بالمشهد الذي كان فيه العدو يسيد ويميد ويُخَرِّبُ ويُدَمِّرُ ويقتل في الجنوب وفي كل لبنان دون أن يُسمَحَ للجيش مواجهته، ودون أن يُسمَحَ له التَسَلُّحِ لتلك المواجهة؟

عندما يتشبثُ الكائن البشري برأيه، ويُنَحِّي جانباً أيَّ حوارٍ منطقي وموضوعي وعقلاني، ويتمترس بذهنيتِه الصخرية، يُصبِحُ عَبَثِيّاً وتَنعَدِمُ السُبُلُ لإقناعه بالحقائق، ويرفض الاعتراف بالواقع وبالآخر، وحتى أنه يُنكِرُ نور الشمس الساطع في أرجاء الكون. عندها ينطبق عليه المثل الدارج آنِف الذكر “عنزة ولو طارت”.

لا يا أصحاب ألقاب المعالي والسعادة والنيافة والغبطة وكل مسميات التفخيم والتَمَلُّقِ والتَزَلُّف، المقاومة ليست دولة ضمن دولة، ولم تطرح نفسها يوماً محل الدولة، فقط هي سارعت إلى درء خطر العدو عندما تقاعست الدولة بل تواطأت، وأهملت، واستهترت بحياة مواطنيها… فَلِأنَّ الدولة تقاعست اضطرت فئة من اللبنانيين أن تدافع عن نفسها دون أن تمس بهيبة الدولة، ولما انتصرت عَفَت وسامحت وترفعت عن الانتقام، ثم سلَّمَت زمام الأمور للدولة، ولو كان غيرها محلها لَقَلَبوا عاليها سافلها، وتكبروا وتعجرفوا مِلءَ الكون.
إن الضوضاء والبروباغندا التي يثيرها صبية الشذوذ الجنسي وروّاد البَطَرِ السياسي والخبث الإعلامي والعنجهية الكهنوتية، بهدف قطع خطوط إمداد الم_قا_ومة، يعتبر خدمة مجانية للأعداء الذين يحاصروننا ويحاصروها، وهي لن تستطيع تحقيق ما تصبو إليه لأن مثيريها أضعف من بيت العنكبوت. وهي ضوضاء تصب في السعي لإزالة لبنان من الوجود طِبقاً لخطط العدو وطبقاً لخطط النيوليبرالية التي لا يريدون الاقتناع بأنها تريد سحقنا وتفتيت بلدنا والتهام مُقَدِّراتِنا. هم لا يريدون أن يقتنعوا بشيء، وكل ما يثرثرون به من شعارات السيادة والحرية والاستقلال، والافتراءات والجعجعات ودَسِّ الفِتَن، عِلاوَةً على أنه مقبوض الثمن من السفارات، هو ليس سوى لقلقة لسان واجترار شعاراتٍ كاذبة خبيثةُ المنشأ والمقصد، وخبيثة الوسيلة التي تبثها وتنشرها بين الناس.
لقد كَلَّت ألسِتُنا وجفَّت أقلامُنا في توضيح الواضحات لهم، ولكنهم أبَوا إلى أن يعتنقوا عقيدة “عنزة ولو طارت” مهما كان الثمن، حتى ولو ضاع الوطن.
*الجمعة ١٨ آب ٢٠٢٣*

شاهد أيضاً

محافظ بيروت رعى أعمال سيمبوزيوم وطني نظمه منتدى الفن التشكيلي والمجلس الثقافي الانمائي لمدينة بيروت بعنوان “لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه” بمشاركة 50 فنان في حديقة الصنائع*

برعاية محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود نظم منتدى الفن التشكيلي برئاسة الفنان التشكيلي علي …