الكاتبة دلال موسى
في مشهدٍ يختلط فيه العاجل بالاستراتيجي، وتتصدر فيه العناوين لغة التهدئة بينما تُخفي التفاصيل إيقاع التصعيد، يدخل لبنان مرحلةً شديدة الحساسية من تاريخه السياسي. البيانات الرسمية تتحدث عن استقرارٍ نسبي، لكن الوقائع الميدانية ترسم صورة مختلفة: توازن دقيق، مشدود إلى حافة الانفجار، تُديره حسابات معقّدة تتجاوز الحدود اللبنانية.
في هذا السياق، يتحرّك حزب الله ضمن معادلة لم تعد تقليدية. حضوره لم يعد محصورًا في إطار داخلي، بل أصبح جزءًا من شبكة ردع إقليمية تُفرض على الخصوم قبل الحلفاء. منذ حرب تموز 2006، تغيّر ميزان الاشتباك جذريًا: إسرائيل لم تعد قادرة على فرض إيقاع الحرب منفردة، بل تجد نفسها أمام قوة تُجبرها على التفكير بمنطق الكلفة، لا بمنطق التفوّق.
الهدوء الحالي ليس نتيجة تسوية، بل نتيجة توازن. هذا التوازن قائم على إدراك متبادل لخطورة الانزلاق إلى مواجهة شاملة. إسرائيل تبحث عن طرق غير مباشرة لتقليص هذا التهديد، عبر مشاريع تحمل عناوين أمنية مثل “المنطقة العازلة”، لكنها في جوهرها أدوات لإعادة تشكيل ميزان القوة. الهدف واضح: إبعاد التأثير الميداني للمقاومة دون الدخول في حرب مفتوحة.
في المقابل، تتعامل المقاومة مع هذه الطروحات باعتبارها تهديدًا مباشرًا للمعادلة التي كرّستها. أي تغيير في الجغرافيا يعني تغييرًا في قواعد الاشتباك، وأي تراجع في الحضور يعني فتح الباب أمام اختلال ميزان الردع. لذلك، تُدار المرحلة بحذرٍ محسوب: لا تصعيد واسع، ولا قبول بشروط تُفرغ القوة من مضمونها.
داخليًا، يتصاعد الجدل حول مفهوم السيادة. الخطاب السياسي المنادي بحصرية السلاح يطرح نفسه كخيار دولة، لكنه يصطدم بواقعٍ يفتقر إلى أدوات القوة الكافية. في المقابل، يقدّم منطق المقاومة رؤية مختلفة، تقوم على أن السيادة تُحمى بالفعل لا بالشعارات. هذا التناقض لا يعكس مجرد اختلاف سياسي، بل صراعًا على تعريف الكيان اللبناني نفسه.
الدور الدولي، وتحديدًا الأميركي، يضيف بعدًا حاسمًا. واشنطن تدير إيقاع التهدئة والتصعيد في آنٍ واحد، ساعية إلى منع الانفجار الكبير، وفي الوقت نفسه إلى ضبط قوة المقاومة ضمن حدود معيّنة. المبادرات السياسية المطروحة تأتي ضمن هذا الإطار: تهدئة مشروطة، وضغط مستمر لإعادة ترتيب التوازنات بما يخدم أولويات إقليمية أوسع.
لبنان، في هذا المشهد، لم يعد ساحة معزولة. هو نقطة تقاطع لصراع أكبر بين إيران وإسرائيل، حيث تتحول كل مواجهة محدودة إلى رسالة ضمن سياق إقليمي معقّد. هذا الترابط يجعل أي تطور ميداني جزءًا من حسابات تتجاوز الداخل اللبناني.
في المحصلة، الصورة أكثر تعقيدًا من عنوان “هدنة”. ما يجري هو إدارة لصراع مفتوح، تُستخدم فيه أدوات متعددة: عسكرية، سياسية، وإعلامية. ميزان الردع القائم فرض نفسه كحقيقة لا يمكن تجاوزها، لكنه في الوقت نفسه يبقى عرضة للاهتزاز عند أي خلل في الحسابات.
المرحلة المقبلة لن تُحسم سريعًا. لبنان يقف في قلب معادلة دقيقة، حيث تتقاطع الضغوط مع موازين القوة، ويُعاد رسم المشهد على إيقاع التوتر المدروس. في هذا الإطار، لا يكون الهدوء نهاية الصراع، بل أحد أشكاله.
دلال موسى
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
