يتحوّل الإعلام الحربي التابع لـ «حزب الله» من مجرّد توثيق بصري للعمليات إلى صناعة سردية مركّبة تستخدم الموسيقى والأرشيف والرموز والآلات بوصفها عناصر فاعلة داخل المشهد.

يتحوّل الإعلام الحربي التابع لـ «حزب الله» من مجرّد توثيق بصري للعمليات إلى صناعة سردية مركّبة تستخدم الموسيقى والأرشيف والرموز والآلات بوصفها عناصر فاعلة داخل المشهد. تُعاد صياغة اللقطة القتالية ضمن بناء صوتي وبصري يهدف إلى التعبئة والتأثير، فيما يُمنح الجمهور دوراً تفاعلياً في المتابعة والتحليل، عبر تتبّع التفاصيل والأسلحة والإنتاج المرئي، بما يعيد تشكيل إدراكه للحرب، ويحوّله من متلقٍ إلى مشارك في تفكيك خطابها
في كل جمهور متابع لموضوع أو حدث… هناك ذلك الشخص الخبير الذي يعرف كل «صغيرة وكبيرة» تتعلق بالموضوع. منهم من ينتبه إلى أي جديد في أسلوب بيب غوارديولا لكرة القدم، أو من يلاحظ لقطة أو كادراً جديداً في أفلام مارتن سكورسيزي، أو بدعة جديدة في كتابة النصوص السينمائية أو الروائية، وأخرى تنتبه إلى آلة جديدة أضيفت إلى مؤلفات ياني.
كذلك في الحروب، هناك من ينتبه ويستذكر ويحلل كل جديد تطرحه الجيوش والخطط والصناعات العسكرية. لكن الأكثر إمتاعاً هم هؤلاء الذين يتابعون عمليات المقاومة اللبنانية التي تُنشر في الإعلام الحربي، يعدّون لها كم بياناً صدر، وما إذا تجاوزت رقماً قياسياً، والسلاح الذي يسجل ظهوره الأول في الحرب، ومقاطع الفيديو التي توثق عمليات المقاومة. وفي هذا التقرير، نتعاون مع مجموعة من جمهور المقاومة لقراءة الإنتاج المرئي والصوتي والفني للإعلام الحربي عبر الزمن.
عبد الحليم وناصر على خطوط التماس
لا يمكن أن يمرّ استخدام أغنية عبد الحليم حافظ «خلي السلاح صاحي» التي غناها للجيش المصري مرور الكرام لدى محبّي المقاومة، فاستخدام الأغاني ليس من عادة ولا أدبيات المقاومة الإسلامية.
لكنّ الأمر تغير كثيراً مع الوقت، فصارت الأغنية المقاومة جزءاً من العملية التعبوية للحزب ومناصريه في وسائل إعلامه، وصلت حد استخدام كلمات من رسالة وجهها السيد حسن نصر الله إلى المقاتلين في عام 2006 كأغنية «أحبائي» للفنانة جوليا بطرس بعدما صاغها الشاعر غسان مطر ولحنها شقيقها زياد ووزعها ميشال أبي فاضل. ومع ذلك بقي استخدام الأغاني بعيداً عن محتوى الإعلام الحربي حتى الحرب الأخيرة.
وللموسيقى حكاية أكثر قدماً في تاريخ عمليات «المقاومة الإسلامية»، وهو الاسم الذي كانت تنشر تحته العمليات العسكرية للمقاتلين في «حزب الله» قبل أن تكتسب اسمها الرسمي «الإعلام الحربي»، ومن ثم الشعار الخاص بها والمعروف اليوم وهو عبارة عن فوهة بندقية وفوقها إشارة التسجيل الحمراء.
أعادت المقاومة استخدام أغنية «طالعلك يا عدوّي» في أحد فيديواتها
بدأ الإعلام الحربي عمله بتسجيل مقاطع مصورة بالأصوات الواقعية كما في الفيديو الأول لاقتحام موقع سجد سنة 1986 حيث يظهر المقاومون بوجوههم وأصواتهم من دون تمويه، وصراخهم خلال عملية الاقتحام وإلقاء القبض على أحد العملاء وصولاً إلى رفع شعار «يا مهدي»، في إشارة إلى المعتقد الإيدولوجي لهؤلاء الشباب الذين يقاتلون «إسرائيل».
لاحقاً وربما لضرورات أمنية وفنية، أخفيت الأصوات بحس أمني كان وراءه الشهيد عماد مغنية، إذ لجأت المقاومة إلى موسيقى ترافق الفيديو مثلاً ياني Standing in Motion التي صدرت للمرة الأولى سنة 1987 ضمن ألبومه Out of Silence.
وقد ظهرت في فيديو اقتحام موقع الدبشة في 29 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1994. ولا يمكن بالتحديد معرفة ما إذا كان ذلك اختياراً شخصياً تفضيلياً، أو من باب المصادفة نتيجة أنّ النسخة الشهيرة عالمياً من هذه النسخة منها تعود إلى أيلول (سبتمبر) من العام نفسه ضمن حفلة Live at the Acropolis. وجرى الاستعانة بمقاطع أخرى. وبقي كذلك حتى البدء بإنتاج موسيقى خاصة لمواد الإعلام الحربي. أمر يمكن أن تكون شروط وحقوق الملكية قد فرضته فضلاً عن التطورات التكنولوجية.
وفي هذه الحرب، تمّت الاستعانة بأغنية عبد الحليم حافظ «خلّي السلاح صاحي» التي غناها حليم سنة 1968، وأغنية «الله أكبر فوق كيد المعتدي» التي أذيعت للمرة الأولى أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، دعماً لجمال عبد الناصر، وهي من كلمات الشاعر المصري عبد الله شمس الدين وتلحين الملحن المصري محمود الشريف، كما جرت الاستعانة بمقاطع أخرى.
كاميرا المقاومة بين الناس
في واحدة من القصص الشهيرة التي تعكس أسباب وأهداف نشوء الإعلام الحربي، هو إنكار العدو الإسرائيلي للكثير من عمليات المقاومة التي نفذتها ضده في لبنان، فكان من الضروري الرد عليه بالتوثيق بالصورة، وهذا ما أسفر عن أحد أشهر فيديوهات المقاومة في نهاية تسعينيات القرن الماضي (1999): عملية اقتحام موقع بيت ياحون، التي أنكرت إسرائيل حدوثها، فقررت المقاومة نشر فيديو يوثق العملية ويظهر أخذ آلية «ملالة» لقوات العدو وأسر عدد من العملاء.
يومها، لم تكتف المقاومة بتوثيق العملية، بل «أسرت الملالة» وعادت بها إلى بيروت لتقديمها لأمين «حزب الله» آنذاك السيد حسن نصر الله. كانت تلك الحادثة الأولى التي تتابع فيها الجماهير ووسائل الإعلام تصوير عملية عسكرية للمقاومة بدأتها كاميرا الإعلام الحربي، وانتهت بكاميرا الناس في بيروت، التي وثقت نزع المقاوم حينها رشّاشاً كبيراً عن الآلية الإسرائيلية ورميه على الأرض قائلاً «جبروتهم تحت قدميك»، مع تقديم سلاح «m15» لقائد المقاومة.
الملالة التي وصلت إلى بيروت وسبّبت مشهداً جماهيرياً، ليست الأولى من نوعها. سبق للمقاومين أسر ملالة إسرائيلية أخرى تم نقلها إلى بعلبك، وبقيت هناك لسنوات طويلة، وهذا ما يؤرخ للدور الكبير لعمليات توثيق المقاومة في الترويج لصورتها، وتوثيق جهودها، وهو الهدف الأساسي من نشوء وحدة الإعلام الحربي في «حزب الله» في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
أنسنة الآلة في عصر تفتيت الإنسان
في الحرب الحالية، أثارت مقاطع فيديو تظهر عودة عدد من الشاحنات والآليات التي تعرضت للاستهداف والتدمير في حرب 2024 (حرب الـ 66 يوماً) تفاعلاً واسعاً بين أوساط المتابعين لعمليات المقاومة وربما حتى بين أعدائها، فظهرت آلية «فادي 6» وقد عادت للخدمة، متحولةً إلى أحد أبطال القصة، تخوض الحروب وتصاب، ثم تعالج وتعود للعمل.
وهي بذلك عنصر مكافئ للمقاتل الذي يصاب ويعود إلى عمله بعد الشفاء، وليس بالضرورة أن يعود بجسده كاملاً. كذلك، تظهر تلك الآلية في الفيديو الذي نشرته المقاومة، وهي لا تزال مهشمة أو بلا ملامح أمامية، لكنها فعالة في مهمتها التي صُمِّمت لها كمنصة إطلاق صواريخ، وكذلك جرحى البيجر، يعودون من دون عيونهم أو أطرافهم أو أصابعهم لكنهم يعودون للاستمرار في عملهم.
فيديو سرد قصة «فادي 6» كجزء من الفريق له هويته واسمه
هذه الأنسنة للآليات التي امتدت لتطال الصواريخ، تفيد بوجود فهم عميق لدى فريق الإعلام الحربي للقالب الذي أنتجته «وول ستريت جورنال» حتى لو لم يعرفوه بشكل مباشر، والذي يدعو إلى أنسنة الأخبار.
هذا ما يظهر جلياً في الفيديو الذي يسرد قصة الصاروخ «فادي 6» والحديث عنه كشخص وجزء من الفريق له هويته واسمه، ودوره، خصوصاً أنّ التطور الكبير في قطاع السلاح جعل المقاومة أكثر إدراكاً لنوع السلاح وفاعليته. ورغم أن التركيز على المعدات قد يفقد المواد المصوّرة للمقاومة من الإثارة والخصوصية، إلا أنّ فريق الإعلام الحربي تمكّن من التغلب على ذلك بتظهير الأسلحة الخاصة المصنّعة من شباب المقاومة أو تاريخ الحروب التي خاضتها تلك المعدات.
ومن المفاصل الجميلة أنّ مقطع الفيديو المخصص لصاروخ «فادي» أعادت فيه المقاومة استخدام أغنية حرب الشوارع «طالعلك يا عدوّي» وهي أغنية ثورية فلسطينية شهيرة كتب كلماتها حسيب القاضي وصلاح الدين الحسيني، ولحّنها مهدي سردانة. وسبق لإعلام المقاومة استخدامها خلال الانتفاضة الثانية لكنها المرة الأولى التي تستخدم ضمن محتوى الإعلام الحربي.
نشأ الإعلام الحربي في الأساس كوحدة من مهماتها توثيق عمليات المقاومة التي تحمل طابعاً سرياً وأمنياً يجعل من تصويرها جزءاً من العملية وليس ترفاً صحافياً. لذلك، خُصِّصت وحدة للإعلام الحربي ضمن هيكلية «حزب الله»، ولجأت إلى وسائل الإعلام لتوزيعها وعرضها. وكانت عمليات التوزيع تقتصر بداية على المؤسسات الإعلامية للمقاومة كقناة «المنار»، ثم صارت عمليات التوزيع أكبر وبشكل أسهل بفضل وجود منصات إلكترونية مستقلة، واليوم تشكل قناة التلغرام للإعلام الحربي في «حزب الله» الموزع الرسمي لإنتاجه المرئي وبياناته.
حروب كثيرة خاضتها المقاومة صار الإعلام جزءاً مهماً ورئيسياً منها. من خلال اهتمامها بتقديم منتج إعلامي يضاهي عملها العسكري، نجحت في تأسيس جمهور لها غير خاضع لشروط السياسات التحريرية لمؤسسات إعلامية كبرى تغير قناعتها من القضايا بتغير المصالح. جمهور يؤمن بالعمل المقاوم ويجد دائماً طرقاً خاصة لحفظ وتوثيق عمليات المقاومة وتداولها. وربما استعادتها وتذكّر موسيقى أو سلاح أو عملية وانتظار بيان جديد، تؤكد النصر.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net




