أشعل غلاف مجلّة «لاسبريسو» الإيطالية جدلاً عالمياً بعد تجسيده بصرياً لعنف الاستيطان في الضفة الغربية عبر مشهد مكثّف. صورة واحدة أثارت مواجهة ديبلوماسية مع إسرائيل، وسط تصاعد النقاش الأوروبي بشأن فلسطين، وحدود حرية الصحافة في توثيق الانتهاكات الميدانية
في عشرينات القرن الماضي، استعمل الصحافي فريد برنارد عبارة «الصورة تساوي ألف كلمة». بعد مئة عام من هذه المقولة، استطاعت مجلّة إيطالية أسبوعية اختزال معاناة تاريخية للشعب الفلسطيني مع جلّاديهم المستوطنين بصورة واحدة. ولم تنحصر أصداؤها بوسائل التواصل الاجتماعي التي اجتاحتها، إنّما امتدت شظاياها لتثير احتجاجاً ديبلوماسياً ونقاشاً واسعاً حول حرية الصحافة واستخدام تهمة معاداة السامية المُسلّطة على كل من ينتقد «إسرائيل».
على إثر الانتشار الواسع للصورة، التقطت ردارات تل أبيب الموجة الإعلامية لتُشعل خلافاً ديبلوماسياً مع إيطاليا، إضافة إلى استنفار سفير الاحتلال في روما لمحاولة لململة شتات كيانه المأزوم أمام شعوب العالم، محاولاً الإيهام بأنّه جرى التلاعب بالصورة، مع الهمس في التعليقات إلى إمكانية كونها مولّدة بالذكاء الاصطناعي. غير أنّ مسعاه اصطدم بتسونامي من تعليقات المستخدمين حوّلت مداخلته إلى فرصة جديدة لكشف زيف ادعاءات الماكينة الدعائية للاحتلال.
عدد تاريخي
احتوى العدد الأخير من مجلة «لاسبريسو»، إحدى أقدم المجلات الإخبارية في إيطاليا وأكثرها انتشاراً، على صورة غلاف بعنوان L’abuso، وهي تعني الانتهاك. وتُظهر الصورة مستوطناً إسرائيلياً يضع الكيباه، أي القلنسوة الصغيرة المستديرة التي يرتديها اليهود الأرثوذكس، وهو يوجّه هاتفه المحمول نحو امرأة ترتدي حجاباً مزخرفاً.
بين تفاصيل الصورة، يبدو المستوطن المُسلّح يبتسم بطريقة ساخرة ومتعجرفة، بينما يحمل سلاحاً بيد وبالأخرى هاتفاً يريد تصوير الفتاة به، في محاولة لإخافتها بأنّ وجهها أصبح معروفاً لديهم لملاحقة لاحقة. أما الفتاة الفلسطينية المتمسّكة بأرضها أمام محاولة طردها، فترتسم على وجهها تعابير الألم والصمود في آنٍ معاً في مواجهة الغارات الإسرائيلية الروتينية في الضفة الغربية.
في صلب هذا المشهد، تتلخّص قضية شعب بأكمله، تتعدّى السياقات الدينية والحضارية. يتكّشف جلياً مشهد انعدام الإنسانية لدى المستوطنين الذين لم يشبعوا على مدى عقود من عملية قضم أراضي فلسطين، ويثابرون على تأكيد أنّ مسعاهم احتلال المزيد.
تأتي هذه الصورة كجزءٍ من مشروع وثائقي للمصور الإيطالي بيترو ماستورزو. ويتناول المقال الرئيسي الذي كتبه دانييلي ماستروجياكومو في المجلة، مشروع «إسرائيل الكبرى» وجذوره التوارتية وتعارضه مع القانون الدولي، إلى جانب المقال المصاحب الذي كتبه آلاء السعيد، والمرفق بتقرير ماستورزو، يتطرّق إلى ما تصفه المجلّة بحملة تطهير عرقي تجري في الضفة الغربية في أعقاب الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
استنفار إسرائيلي
أمام ما تجسّده صورة الغلاف من عمق في المعنى، سارعت تل أبيب للردّ على التهديد الإعلامي في محاولة لإخافة صنّاع العمل. كتب سفيرها لدى إيطاليا، جوناثان بيلد، على منصّة إكس: «ندين بشدّة الاستخدام التلاعبي لغلاف مجلّة «لاسبريسو» الأخير. فهذه الصورة تشوه الواقع المعقّد الذي يتعيّن على إسرائيل التعايش معه، وتروّج للصور النمطية والكراهية. يجب أن تتّسم الصحافة المسؤولة بالتوازن والدقة».
يقول المثل الشعبي «إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا». لكنّ جرأة بيلد على تحوير الحقائق المدعمة بالوثائق والدماء الفلسطينية عبر محافل التاريخ، جلبت ويلات الردود من كل حدبٍ وصوب، إلى درجة تلقّيه أكثر من خمسة آلاف تعليق، غالبيّتها تدين الاحتلال.
والأهمّ من ذلك، ألصقت «إكس» خاصيّتها الفريدة «ملاحظات المجتمع»، وهي تعليق يلاحق المنشور الرئيسي عندما تشكّ الخوارزميات في مصداقية البيان، وأظهرت في حالة بيلد تنبيهاً بأنّ ادعاءاته باطلة والصورة حقيقية ومأخوذة من حادثة حصلت في الضفة الغربية، كما نشرتها وكالات دولية وأجنبية أخرى.
اختصرت الصورة جرائم المستوطنين المستمرّة بهدف تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى»
لم تقتصر الردود الإسرائيلية على الديبلوماسية. إذ حاولت «موكيد»، المنصة الرئيسية للحياة المجتمعية اليهودية الإيطالية، تهديد المجلّة والتحريض على أعمالها بحجّة معاداة السامية، مدّعية أنّ الغلاف يشكّل «مهرجاناً للصور النمطية»، بحجة تصوير الجندي الإسرائيلي على أنه «قبيح ومُهدِّد».
وبينما ارتكب الاحتلال إبادة جماعية مكتملة المعايير في غزة أخيراً، اعتبرت «موكيد» أنّ الصورة ترقى إلى «شكل من أشكال إضفاء الصبغة الجوهرية على الخصائص السلبية على شعب بأكمله». ودعت نقابة الصحافيين الإيطالية إلى تطبيق إعلان القدس بشأن معاداة السامية، الذي اعتمدته النقابة رسمياً في 31 آذار (مارس)، مع التزام معلن بمكافحة معاداة السامية إلى جانب جميع أشكال العنصرية والتمييز الأخرى.
المجلّة لم تتزحزح
في المقابل، لم تتراجع «لاسبريسو» أمام حملة التهديد والوعيد، وأبقت على غلافها من دون إصدار أي اعتذار. واعتبر أنّ العدد أوضح الموقف التحريري بكل وضوح، إذ توثق الصورة «الانتهاكات اليومية التي يعانيها أولئك الذين ابتلوا بسوء الحظ بأن يولدوا في الأراضي التي يدعي المستوطنون احتلالها من أجل تحقيق حلم إسرائيل الكبرى»، واصفةً جرائم المستوطنين بأنها مستمرة، ومدعومةً من القوات الإسرائيلية، ولا تلقى أي إدانة ذات مغزى من المجتمع الدولي.
وإلى جانب ردّ فعل الجمهور الساحق على تدخل سفير الاحتلال، عمل الناشطون على إعادة مشاركة الغلاف على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين الاحتجاج الديبلوماسي نفسه بمثابة محاولة لقمع الصحافة المصورة المشروعة.
استيطان سرطاني
تأتي هذه الصورة في الوقت الذي ارتقت فيه قضية فلسطين إلى الواجهة العالمية كبوصلة حقّ بشكل غير مسبوق. وكما أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في إظهار الحقائق والمعاناة من قطاع غزة، يُسهم الإعلام التقليدي، كعمل المجلّة الإيطالية، في تقديم المحتوى المنصف الذي لم يعد يساوي بين الجلّاد والضحية.
وسط التبدّل الجذري في السياسة التحريرية لوسائل الإعلام الغربية، نتيجة تبدّل حاد في مزاج الرأي العام أمام هول ارتكابات الاحتلال، يتصاعد النقاش الإعلامي في جميع أنحاء أوروبا بقوة غير معتادة حيال قضايا الشرق الأوسط المتعدّدة، حيث أصبحت كل صورة من المنطقة تحمل وزناً سياسياً وإنسانياً يُجسّد مظلوميّة تاريخية.
الجدير بالذكر أنّ استنفار الاحتلال أمام صورة لحادثة فردية، يأتي لمحاولة الترهيب تجاه أعمال مستقبلية مشابهة، خصوصاً مع موافقة الحكومة الإسرائيلية أخيراً على بناء 27 ألف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية و37 ألف في القدس الشرقية. ورغم إدانة الأمم المتحدة، يواصل المستوطنون مضايقة الفلسطينيين مع إفلات تام من العقاب، مما يجبر عائلة فلسطينية تلو أخرى على التخلّي عن أراضيها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net

