*بقلم: ناجي علي أمهز*
لا يوجد وقت مضى أشعر فيه بدقة ما أكتبه كما أشعر اليوم، وذلك بعد استماعي لـ “أبراهام بورغ”، الرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي، في مقابلته مع الإعلامي الأمريكي البارز تاكر كارلسون، عبر الرابط الذي وزعه الخبير الاقتصادي اللبناني البريطاني الدكتور حسن أحمد خليل. وربما يستغرب الكثيرون مما جاء في هذه المقابلة، أو يتوقفون عند تفاصيل معينة، لكنني لم أُفاجأ بمحتواها، بل أستطيع القول إن بورغ صرّح بكلام كتبتُ أكثر من نصفه خلال الشهر الأخير.
يركز بورغ في حديثه على حقيقة غامضة، وهي أنه لا أحد يعرف حقاً ماذا حصل وما هي الأسباب الفعلية لانطلاق هذه الحرب في هذا التوقيت بالذات. هذا الغموض يؤكد فرضية وجود “طرف ثالث” أو قوة خفية هي التي أشعلت الفتيل، وهي ذات القوة التي أشار إليها لاريجاني قبل اغتياله بيوم واحد. وفي سياق المقابلة، يلحظ المستمع أن الرئيس السابق للكنيست يحذر الجميع من أن هذه الحرب لن تخدم في النهاية إلا مصلحة إيران، مؤكداً أن الأمريكيين أنفسهم سيخسرون فيها، إذ لا يمكن لترامب أن يجر بلاده إلى صراع تاريخي مع إيران، لأن الفاتورة ستكون أكبر من قدرة أمريكا على التحمل، خاصة وأن التوجه النهائي يميل نحو احتواء إيران والتحالف معها بدلاً من هزيمتها.
بورغ وكانه يوجه كلامه إلى الداخل الإسرائيلي؛ فإذا كانت أمريكا تعجز عن الدخول في صراع تاريخي مع الإمبراطورية الفارسية، فكيف هو حال إسرائيل؟ ويشير إلى أن الحرب مع إيران تختلف جوهرياً عن الحروب السابقة مع العرب، مستخدماً تشبيه “البيضة” التي تزداد قسوة كلما غليتها. ففي عام 1948 حاربت إسرائيل الدول العربية، وفي عام 1967 حاربت سبع دول، وفي عام 1973 حاربت دولتين، ثم انتهى الخطر المصري والسوري باتفاقيات السلام أو التعطيل. أما اليوم فالأمر مختلف تماماً؛ حيث تعيش إسرائيل في عزلة هي الأكبر في تاريخها، وتورطت في جرائم في غزة قد ترقى إلى جرائم حرب، مما يجعلها تتراجع بدلاً من التقدم.
ويتطرق الحديث إلى ضرورة إيجاد السلام وضمان حياة طبيعية للأجيال القادمة، معتبراً أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيؤدي بالضرورة إلى مطالبة خمس أو ست دول عربية بامتلاك السلاح ذاته، وهو أمر يصفه بـ “المرعب”. ويرى بورغ أن الحل الوحيد هو أن تكون المنطقة بأكملها خالية من الأسلحة النووية، بما في ذلك إسرائيل. وعندما سأله كارلسون عن القوة القادرة على نزع سلاح إسرائيل النووي، أجاب بورغ دون تردد: “إنه ترامب”، محذراً من أنه في حال فشل ترامب أو أمريكا في هذا الدور، فإنها ستفقد ثقة العالم وستحل الصين مكانها كقوة عظمى في المنطقة.
إن القراءة العميقة لهذا التحليل توضح أن الغرب لا يثق بالعرب، وربما يراهم غير مؤهلين للعالم الجديد لأسباب اجتماعية وسلوكية. لذا، يبدو أن المطلوب هو تعميم الفوضى لإنتاج كيانات جديدة على حساب الدول العربية الحالية. فالتوجه الأمريكي والإسرائيلي يسعى لدفع العرب نحو مواجهة مع إيران، مما قد يدفع الأخيرة للدفاع عن نفسها عبر السيطرة على بعض هذه الدول، وهو ما حذرت منه إيران سابقاً. وإذا تطورت الأمور ودخلت الدول العربية الحرب مباشرة، فإن الخسارة لن تقتصر على المعارك، بل قد تمتد لتشمل زوال أنظمة وانتقال الحكم إلى فئات جديدة.
ويوجه بورغ، بصفته أكاديمياً وليبرالياً، تحذيراً شديد الخطورة للدول العربية بأسلوب دبلوماسي دقيق، مؤكداً أن “الثقة” مفقودة بين جميع الأطراف. وكأنه يقول للعرب: “نحن لا نثق بكم، وأنتم بدوركم يجب ألا تثقوا بنتنياهو، لأنه يورطكم في حرب ستخسرون فيها”. وقد بلغت صراحته ذروتها حين قال عن نتنياهو: “عندما تسلم عليه، عليك أن تتأكد بعد ذلك أنه لم يسرق كفّيك من أكمام قميصك”.
إن الرسالة الختامية للعرب هي ضرورة وقف هذه الحرب؛ فالدول العربية في جوهرها كيانات اقتصادية عملاقة وليست دول حروب، والكثير من القوى الدولية تطمع في ثرواتها ونتاج اقتصادها. العالم اليوم لا يُدار بالهدايا أو الأموال، بل بالتحولات الكبرى كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية. إن شعوب المنطقة أصبحت في كثير من جوانبها خارج الزمن، والتكاليف التي تُهدر في الحروب يجب أن تُستغل في تطوير المجتمعات العربية، ودمجها في المجتمع العالمي، وإخراجها من قيود التشدد، لبناء تحالفات حقيقية مع القوى الكبرى، بدلاً من البقاء كعبء ثقيل على العالم وعلى الحكام العرب أنفسهم، فهل يمكن لاي زعيم عربي ان يقول كم نسبة رضاه على تطور مجتمعه بما يكفي بظل التسارع الرهيب في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
بالختام الازمة في المنطقة معقدة للغاية، وبعد كلام بورغ يبدو ان الاتحاد الاوروبي وبعض الدول العربية التي نأت بنفسها عن الحرب مطلعة على هذه التفاصيل وما يعد للمنطقة العربية لذلك تجنب نفسها هذا المتغير الذي هو اكبر من قدراتها، وقد يؤدي الى سقوط انظمتها.
يجب على الجميع خاصة العرب العمل على وقف الحرب، انه الحل الوحيد.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
