جميل معلم
لم تكن الشّقّة في النّبطية تتّسع لعددنا، بل كانت تضيق بنا كقلبٍ أُثقِل بما لا يُحتمَل. سبعة أشهر ونحن نعيش هناك، نتقاسم الهواء والخبز والقلق، ونحاول أن نُقنع أنفسَنا بأنّ هذه الغربة مؤقّتة، وأنّ للبيوت ذاكرةً لا تخون أصحابَها.
كنّا نستيقظ باكرًا، أنا وشقيقي التّوأم، لنمضي إلى مدرسة الدوير الابتدائية. الطريق طويلة، وأحيانًا، حين يضيق بنا الحال، نقطعها سيرًا على الأقدام ذهابًا وإيابًا، لأنّ شقيقي الأكبر لم يرغب بالاستيقاظ ليقلّنا بسيّارته، كأنّ خطواتنا تُحصي المسافة بين ما كنّا عليه وما صرنا إليه.
كنتُ من المجتهدين، من أولئك الذين يُعوِّلون على العِلم كخشبة خلاص، لكنّ شيئًا ما انطفأ في داخلي آنذاك؛ فقدتُ شغفي، كأنّ الحرب لا تسرق البيوت فقط، بل تسلب من الروح قدرتَها على الحُلم.
ومع ذلك، كان هناك ضوء خافت يتسرّب إليّ من بين رُكام التعب. معلّم اللغة العربية.
صوته، طريقته في الإصغاء، إصراره على أن أقرأ بصوتٍ جهير، وكأنّ الكلمات لا تولد إلا إذا سُمعت. كان يُنصت إليّ باهتمامٍ خاصّ، يُحدّق فيّ كأنّه يكتشف شيئًا لا أراه أنا في نفسي.
لاحقًا فقط، فهمتُ أنّه كان يوقظ في داخلي ما كاد يموت.
في تلك الأيّام، كان والداي يعودان إلى كفررمان، إلى بيتنا الذي تركناه في الحارة الشّرقيّة، ليعتنيا بالمزروعات. خمسة بيوت بلاستيكية، تضجّ بالخيار والبندورة، كأنّ الأرض نفسها كانت تقاوم الموت بالإثمار.
كنتُ أتصوّرهما هناك، بين الخضرة، يُحادثان التراب كما لو أنّه ابنٌ آخر لم يُهجَّر.
ومع مرور الوقت، بدأت فكرة العودة تكبر.
الناس يعودون. الحيّ يستعيد أنفاسه.
قال أبي ذات مساء، وهو ينظر بعيدًا:
– “ما فينا نضل غُرَبا… البيت بينادينا”.
لم تُجِبْه أمّي فورًا، لكنّي رأيت في عينيها ذلك القلق الذي يُشبه حُبًّا خائفًا.
عُدنا.
لم تكن العودة خلاصًا، بل شكلًا آخرَ من القلق.
سهرات طويلة، أصوات متقطّعة، رصاص يرتطم بالجدران كطَرْقاتٍ غاضبة، وهمسات الكبار التي كانت أشدَّ رُعبًا من الضّجيج.
كنتُ أخاف من همسِهم أكثرَ ممّا أخاف من الرّصاص؛ لأنّ الهمس يعني أنّ هناك ما لا يُقال.
أحيانًا، كنّا ننزل إلى الملجأ؛ غرفة تحت المنزل، كانت في زمنٍ آخر مخزنًا للتّبغ.
هناك، كنّا نتحوّل إلى كائناتٍ تنتظر. ننتظر ماذا؟ لا أحد يعرف.
كنتُ أراقب وجوهَ الكبار في ضوءٍ خافت، فأراها أكبر من أعمارها، وأصغر من خوفها.
في ليلةٍ قمراء من ربيع 1986، كان القمر ساكنًا على غير عادته، كأنّه يراقب القرية بصمتٍ مُريب.
كنّا نِيامًا، حين اخترق اللّيل صوتٌ مرتجِف:
– “يا بو جميل… بيّي عندكن؟!”
صوت رائدة، ابنة جارنا (بو رفيق).
صوتها لم يكن مجرّد نداء، بل كان استغاثةً تائهةً تبحث عن معنى.
قفز أبي من فراشه، لحقت به أمّي، وتمسّكتُ بيديهما كأنّني أخشى أن يختفيا إن تركتُهما.
فتح الباب، وانفتح معه الخوف.
الخبر كان صاعقًا:
تسلّل جنود العدوّ إلى الحارة.
خطفوا خمسةً من الرجال.
أحدُهم مات من شدّة الخوف.
ساد صمتٌ ثقيل، كأنّ الهواء نفسه اختنق.
لم أبكِ. لم أفهم تمامًا.
لكنّ شيئًا في داخلي انكسر، بهدوءٍ مريب.
لم ينمْ أحدٌ تلك الليلة.
جلسنا ننتظر الفجر، كأنّ الضوء قد يحمل تفسيرًا لما حدث. ومع خيوط الشّمس الأولى، دخلت خالتي بيتَنا، ووجهُها يحمل قرارًا لا يقبل التّأجيل:
– “لازم تطلعوا هلّق… ما بقى في أمان هون”.
نظر أبي إلى أمّي. نظرة طويلة، صامتة، تختصر ألف كلمة.
ثم قال بهدوءٍ مكسور:
– “منمْشي”.
لم نحزم الكثير. لم يعدْ في الحقيبة متّسع.
كنتُ أشعر بأنّني أحمل داخلي ما هو أثقل من أيّ شيء يمكن حمله.
انتقلنا إلى بيت خالتي، في الجهة الجنوبيّة الغربيّة من البلدة، بعيدًا عن الحارة الشّرقيّة التي عادت تُفرَغ من أهلها.
وهكذا، بدأ النزوح الثّالث.
ثلاثة نزوحات…
وثلاثة أعمار مختلفة في داخلي.
كنتُ طفلًا يتعلّم، ثم صرتُ طفلًا ينتظر، ثم صرتُ طفلًا يحمل أسئلةً أكبر من عمره.
وقبل أن ينتهي العام الدراسيّ، وقبل أن أفهم ما الذي يحدث تمامًا، كنتُ أُدرك شيئًا واحدًا:
أنّ الإنسان لا يخرج من بيته مرّة واحدة فقط؛ بل قد يظلّ ينزح داخله، كلّما حاول أن يعود.
جميل معلم
(أنفه؛ عصر الثلاثاء ٢٤ آذار ٢٠٢٦)
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
