بين السياسة والفتنة: قراءة في الأزمة الراهنة

بقلم: حامد بيضون

المشكلة الدائرة في البلاد اليوم ليست دينية كما يحاول البعض تصويرها أو تسويقها، بل هي أزمة سياسية بامتياز، تتعلق بالصراع على الخيارات والتوجهات، ولا تمتّ بصلة إلى جوهر الأديان أو تعاليمها التي تدعو إلى المحبة والسلام والتلاقي.

فالخلاف القائم يتمحور بين فريقين أساسيين في المشهد الداخلي: فريق يرى في خيار المقاومة نهجًا لحماية البلاد وصون سيادتها، وفريق آخر يتبنى توجهًا سياسيًا مغايرًا، ويقف في موقع المواجهة مع هذا الخيار. هذا التباين، على حدّته، يبقى ضمن الإطار السياسي المشروع، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تحويله إلى صراع طائفي أو ديني يُهدد النسيج الاجتماعي ويُعيد إنتاج مشاهد الانقسام التي عانى منها اللبنانيون طويلاً.

لقد أثبت التاريخ أن اللبنانيين، بمختلف طوائفهم، قادرون على التلاقي والتعايش، وأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرّقهم. فلا يمكن اختزال طائفة بأكملها بمواقف حزب أو زعيم، ولا يجوز أن يُزجّ بالمسيحيين أو المسلمين في صراعات لا تعبّر عن حقيقة انتمائهم الوطني والإنساني. فلبنان لم يكن يومًا ملكًا لفئة دون أخرى، بل هو مساحة مشتركة للجميع.

وفي خضم الخطابات المتوترة التي تتصاعد بين الحين والآخر، برزت مشاهد إنسانية تعكس الوجه الحقيقي لهذا الوطن. فقد فتح العديد من اللبنانيين بيوتهم وكنائسهم وأديرتهم لاستقبال النازحين ومساندتهم، في صورة تعبّر عن عمق التضامن بين أبناء الشعب الواحد، بعيدًا عن أي اعتبارات طائفية أو سياسية. هذه المبادرات ليست تفصيلاً عابرًا، بل هي دليل حيّ على أن القيم الإنسانية ما زالت أقوى من كل محاولات التحريض والانقسام.

إن المرحلة الراهنة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي والمسؤولية، سواء على مستوى القيادات أو الرأي العام. فخطاب التحريض لا يبني وطنًا، بل يهدّم ما تبقّى من جسور الثقة بين أبنائه. أما الحوار، والاحتكام إلى العقل، والتمسك بالمصلحة الوطنية العليا، فهي وحدها الكفيلة بإخراج البلاد من أزماتها المتلاحقة.

في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على وعي اللبنانيين أنفسهم، وعلى قدرتهم في التمييز بين الخلاف السياسي المشروع ومحاولات جرّهم إلى الفتنة. فلبنان، بتاريخه وتنوعه، لا يُحمى إلا بوحدة أبنائه، ولا يُصان إلا بإرادتهم المشتركة في العيش معًا، رغم كل التحديات

شاهد أيضاً

*الولاية: سرّ العزة الذي غُيّب* 

دينا الرميمة *متى كانت آخر مرة سمعتِ فيها عن يوم الغدير إلا في همس خافت؟* …