عبد الحميد بن حميد الجامعي
في خضم الفوضى التي عادة ما تفرزها الحروب، وتداخلات الخبر ونقيضه، تتنامى سرديات مغلوطة، وأوصاف غير دقيقة، وتدليس في استخدام المصطلحات، من قبيل حرف البوصلة لإيران كاملة، وتحميلها ردات الفعل القائمة، وغياب ذكر أمريكا وكيانها الصهيوني واعتداءاتهم عن الساحة، أو زعم أن هناك حربا رسمية بين الخليج وإيران، تماشيا مع رغبة الكيان وأمريكا الجامحة لذلك، وغيرها من السرديات التي يجدر بالمنصفين الوقوف عليها بحذر، وتفكيكها، وانتزاع التلغيم الذي يصحبها.
من ثم فهنا بعض محاولة لتفكيك الصورة القائمة، وإذهاب الغبش قدر المستطاع عما يقع حولنا
في سبيل هذا التفكيك فإنه يجب وضع الإطار النظري لما هو قائم اليوم بالتمثيل له، وبعدها ننتقل لمواضع البحث والتقصي حسب المعطيات.
من الناحية النظرية؛
إن مثل أمريكا ودول الخليج وإيران، كمثل من استأجر أرضا في أرض شاسعة لرجل له جوار، فقام هذا المستأجر الارض بالخروج عن الأدب وأذية الجيران، وتهديدهم والتعدي عليهم، منطلقا من أرضه المستأجرة، فلا يخرج المقام هنا من:
– أن يقوم الجار صاحب الأرض بمنع ضيفه من الاعتداء والتهديد من داخل أرضه على جيرانه، مع ضمان عدم استخدام المنشآت داخلها لأي أذية كانت مباشرة، أو عبر معتد ثالث، وينجح في ذلك فيحمد له (وفي هذا المقام يجب تفريغ هذه القواعد من الرادارات والبنية الحربية، ومكاتب الاستخبارات الخ التي يمكن استخدامها أثناء الحرب وليس فقط استخدام المدرجات من قبل الطيران الحربي)
– أو أن يحاول ذلك، فلا يستجيب المستأجر له، فيطرده ويفسخ العقد معه، حتى يحفظ أمنه وأمن جيرانه
– أو أن يعجز عن منعه وطرده -لجبروت المستأجر وتفرعنه- فيُخَلِّي بينه وبين جواره يصدون شره، ويناله منهم ما يكبح جماحه، أو يساعده هو (جارهم) على التخلص من هذا المستأجر المتفرعن
لا خيار لدول الخليج في هذا المقام إلا أحد الخيارات الثلاثة أعلاه، وإذ تعذر الأول وتعذر الثاني، فليس لهم إلا الثالث، وأي خيار رابع، (بصد رد فعل الجيران وهجماتهم الدفاعية على المعتدي المستأجر في أرضه، فضلا عن تبني سرديته والتخندق معه والتنسيق) يعني اصطفافا كاملا لصاحب الأرض مع المستأجر واعتدائه، ويعد شريكا أساسيا له في الجرم!
من الناحية العملية والتطبيقية:
– إيران هددت وتوعدت بضرب المصالح الأمريكية ( قواعد، ومكاتب استخبارية وغيرها) في حال الاعتداء عليها
– تم الاعتداء عليها فكان لزاما عليها تنفيذ وعيدها
– الدول الخليجية (من صدق منها) فشلت في منع أمريكا التي لم تراع مصالحهم، وفضلت مجرم الحرب الدولي عليهم
– الدول الخليجية لا سيما المطبعة ومن في فلك التطبيع (أصحاب جسر النجدة البري للكيان) استخدمت القواعد في أراضيها تحضيرا للحرب، وتجسسا لها، والمتتبع للأنشطة المكثفة وحركات الطيران المهول قبل الحرب مباشرة وأثناء المفاوضات -على غير الطبيعة- لا يخطئ ذلك
– الدول الخليجية (خاصة المطبعة) تستخدم أراضيها ملاذا آمنا للموساد الصهيوني ووكالة الاسخبارات الأمريكية وغيرها من المؤسسات الأمنية للتجسس والقيام بأنشطة عدائية على دول المنطقة بما فيها إيران (بعضها بتنسيق رسمي ورضا وبعضها دون ذلك)
– الدول الخليجية ولفشلها وملوكها وحكامها في الحصول على مقام وتقدير لدى الادارة الأمريكية، ورؤيتها عيانا كيف إن حذاء نتنياهو -مجرم الحرب- أكبر من أعظم تاج ملكي لديهم عند الإدارة الأمريكية الصهيونية الحالية عمليا، كان من الأحرى توجيه بوصلتهم لأمريكا بمراجعة شاملة لجدوى القواعد والتعاون العسكري معها أصلا
– أقلها كرامةً لدول الخليج كان يجب عليها أن تترك الصواريخ تملك طريقها وتبلغ غايتها في قواعد من اعتدى على جارتهم، وتترك لأمريكا التي هي سبب كل هذا الشأن القائم أن تتكفل بها، بدل دفاع دول الخليج عن تلك القواعد التي لا سيطرة لهم عليها ولا على نشاطاتها، قواعد إدارة بلطجية قدمت جزمة مجرم حرب على تيجان ملوكهم وحكامهم ونياشينهم
– كان يجب على دول الخليج أن تقرأ الواقع، وكيف إن أمريكا تقوم بتأمين نفطها من فنزويلا وغيرها قبل الحرب وأثناءها (آخر رفع الحصار عن النفط الروسي مؤقتا) حتى يغرق الخليج ومن فيه فيها، بإدخالهم في الحرب كرها، ليتسنى بعدها للكيان احتلال دول الخليج والشام وإنشاء دولتهم الكبرى وزيادة
– كان يجب أن يقرؤوا أن ما كل ما يطلق اليوم على المصافي وبعض الجهات المختلفة للدولة -خارج المصالح الأمريكية- إيراني. فقد يكون ذلك العلمَ الزائف افتعالا من قبل ناقضي العهود والمواثيق الخونة المجرمين الصهاينة لتحقيق رغبتهم في جر دول الخليج للحرب العبثية وخروج أمريكا والصهاينة منها ليتفرجوا، حتى يفني الطرفان (الجاران المسلمان) بعضهم بعضا، وبعدها ينقضوا على الخليج ويحتلوا مكة والمدينة وغيرها لتحقيق حلم دولتهم الكبرى
– كان يجب أن يفتحوا أعينهم على تصريحات الحرب الدينية من قبل المسؤولين الأمريكيين، وأين موضعهم هم من هذا الفكر الديني الارهابي المتأصل، وكيف إنهم لا يستحقون حتى الحياة ويجب قتلهم (الخليجيين والعرب خصوصا والمسلمين عموما) من ذلك إبادة غزة وقتل المدنيين في لبنان وإيران
– كان يجب أن يقرؤوا التصاريح الصارخة والرسمية للكيان والرسميين الأمريكيين الكبار (الرئيس ووزير الحرب وزير الخارجية وسفراء الخ) وهم لا يتورعون عن التصريح بخططهم ضد دول الخليج والدول العربية والإسلامية وضد دينها وشعوبها
– كان يجب أن لا يكون فيهم غمش وفي عسكرييهم ويبقوا البوصلة متجهة للجهة الصحيحة بدل الهبل الذي يقومون به، وأفلام الأكشن التي ينتجونها، بالبيانات والتواصلات مع أمريكا والإدانات جنبا إلى جنب، واعتراض الصواريخ عنها لتسقط على رؤوس الأبرياء من المواطنين والمقيمين، وتحميل فعلهم (العار) لإيران، بدل أن يكون عليهم وعلى أمريكا
كان يجب أن يحيطوا ونحيط بهذا كله، ونعلم أن جلب الشر لأراضينا، وجلب الظالم لها لا يجعلنا بمعزل عن ردة فعل أصحاب الدم، فإذا كان الصهاينة استهدفوا وفدا مفاوضا دبلوماسيا أثناء انعقاده يبحث في خطة اتفاق مقترحة في قطر، ولم تدن أمريكا ذلكم الاعتداء، فكيف بقاعدة عسكرية ووكر استخباراتي قبل الحرب وأثناء الاعتداء على الدولة وقتل قائدها
على حكام الخليج وشعوبه زيادة الوعي وعدم ركوب موجة أمريكا والصهاينة ولا بعض الأوربيين، ونسيان أن أمريكا هي من يستحق العداء والتهديد وفك الارتباط، عليهم أن ينبتوا وينعتقوا من عبودية الغرب، أن يتحللوا من لباس الذلة والمسكنة وتفوق العرق الأبيض التي باتوا عليها، وأن يتواصلوا مع إيران مباشرة، كما جاء أخير عن السعودية وولي عهدها -وفقهم الله-، وقد أحسنوا، أن يفعلوا ذلك وعينهم على مصلحة دولهم والمنطقة، بدون تنسيق ولا استشارة مع أمريكا الشر المستطير.
يكفينا تأليها من قبل عسكريينا وقياداتنا للأمريكان وللطائفية العمياء، يكفينا شركا بالله وبرسوله وبدينه أهواءنا وانتماءاتنا، يكفينا عمى للقلوب وعمى للافهام “والبغيومية” في اتخاذ القرارات الاستراتيجية واستثمار اللحظة بما يخدم الأمن الاستراتيجي الإقليمي عربيا وفارسيا وأقليميا على المدى البعيد!
البقاء تحت عباءة أمريكا والتملق لها حتى في أبسط الامور وهو إصدار بيانات مشتركة معها ليس من الكرامة ولا من الدهاء ولا من النباهة، لأنه دخول مع مجرم وارهابي ومتعد، وهؤلاء يريدون في لحظاتهم الحرجة تكثير خندقهم، لصرف الناس عن جرمهم وأنهم منبت الشر ومن بدأه لعدو وهمي، ليس هو عدوا لهم بل عدو المعتدي مبدءا
أخيرا لا يجوز في هذا المقام التدليس والمخادعة وتسمية الأمور بغير أسمائها:
– إيران ليست في حرب مع دول الخليج، حتى يستخدم لفظ هزيمة الخليج وانتصاره!
– إيران في مقام الدفاع عن نفسها ضد قواعد التجسس والعمل العسكري في المنطقة، التي استخدمت تحضيرا وتستخدم توجيها واستخباريا وربما عسكريا أثناءها
– الدول الخليجية ووقوفا مع القانون الدولي يجب أن يكون لها ردة فعل قوية اتجاه ما تقوم به أمريكا خدمة لمجرم الحرب من جر المنطقة لعدم الاستقرار، بدل العمى والارتماء في حضنها الفاجر والتشاور نعها والتواصل ومع أذنابها من دول الغرب، وأبسط ردات الفعل هو التواصل المباشر مع إيران الجارة المعتدى عليها، بل الوقوف مع المعتدي المجرم
حمى الله الخليج ودوله وأهله من الفتن، وطهره من الجبن والخيانة والعمالة، ورده للصراط المستقيم، وألف بين دول المنطقة والدول الإسلامية والحرة العالمية في مجابهة هذا الطغيان الصهيوني العالمي الخطير.
عبد الحميد بن حميد الجامعي
الأحد
١٨ رمضان ١٤٤٧ هـ
٨ فبراير ٢٠٢٦ م
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
