الخطابات المتصارعة: حول السيادة والردع وفوضى القوة في الشرق الأوسط (جنوب غرب آسيا)

د. غازي قانصو

في خضمّ التصعيد العسكري الراهن، تتجلّى الحرب لا بوصفها مواجهة ميدانية فحسب، بل كصراع على “السيادة، والردع، والاقتصاد، والمستقبل السياسي والجُغرافي!” تُنتجه ثلاثة خطابات كبرى: الإيراني، والإسرائيلي، والأميركي. يحاول كلّ طرف عبر هذه الخطابات إعادة تشكيل الواقع وفق منطقه السياسي والاستراتيجي، في مشهد تتداخل فيه الأدوات العسكرية مع السرديات الأيديولوجية.

الخطاب الإيراني: جغرافية القوة
واقتصاد الردع الدفاعي

يتسم الخطاب الإيراني بطابع سيادي تعبوي حقيقي كما انه رسالة جادة الى العالم كله، يركز على مفاهيم الرّدع الدفاعي، والسيطرة على الموقف الحالي، وعدم المبالاة بالخسائر بوصفها ثمناً لتحقيق “عزة الوجود” السياسي بمختلف تجلياته.
يسعى هذا الخطاب إلى إعادة تعريف الجغرافيا كحيّز للقرار الوطني الدفاعي بامتياز مهما كان شكله ما دام قد تأتّى بعد الهجوم على الأمة، حيث تتحوّل الممرات الحيوية إلى أدوات ضغط استراتيجي. فالإشارة المتكررة إلى السيطرة على مضيق هرمز تُحيل إلى ما يسمّيه باحثو العلاقات الدولية “جغرافيا القوة” (Geopolitics of Power)، حيث تصير نقاط الاختناق البحرية أدوات تفاوض وردع في آن.
بناءً عليه، لا يهدف الخطاب الإيراني إلى توصيف الحدث، بل إلى ترسيخ معادلة ردعية واضحة: كلّ تحدٍّ سيُقابَل بتحدٍّ مضاد وبكلفة مرتفعة على الخصم.
هنا تبرز مقاربة “الردع بالتكلفة” (Deterrence by Punishment)، حيث يُستبدَل السعي للنصر العسكري المباشر برفع كلفة أيّ عدوان محتمل إلى درجة تمنع حدوثه، او يتم إيقافُه حين حصولِه.

الخطاب الإسرائيلي: شعار الأمن الوجودي
وعقيدة الضربة الاستباقية

في المقابل، يُعيد الخطاب الإسرائيلي إنتاج سردية شعارات “الأمن الوجودي”، وعليه تستند فكرةُ الضربات الاستباقية التي تبرّر استهداف البنى الاستراتيجية للخصم.
يتوافق هذا النمط مع ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ “عقيدة الردع الوقائي ” (Preventive Deterrence)، حيث يُعاد تعريف “الهجوم العسكري بلا مبرّرات دفاعية حقيقية” كفعل دفاعي مسبق.
غير أنّ هذا الخطاب، على الرغم من تماسكه الظاهري، يُخفي قلقاً بنيوياً من حدود القدرة على الحسم العسكري، خاصة في ظلّ بيئة إقليمية معقدة ومتعدّدة العوامل والأطراف الفاعلة. يكمن التناقض الجوهري في أنّ عقيدة الضربات الاستباقية، المصمّمة أصلاً لمواجهة دول تقليدية، تجد نفسها اليوم أمام شبكة من مؤثرين غير دوليين، ما يخلق إشكالية استراتيجية في قياس الردع وتحقيق الحسم.

الخطاب الأميركي:
مفارقة القوة وإدارة التوازن

أما الخطاب الأميركي، فيبدو الأكثر إشكالية؛ إذ يجمع بين لغة القوة ومنطقها، والدعوة إلى التفاوض في تناقض يكشف ما يصفه توماس فريدمان Thomas Friedman، بغياب رؤية واضحة لنهاية الحرب. هذا التذبذب يمكن تفسيره في إطار “مفارقة القوة Paradox of Power التي صاغها ستيفن والت (Stephen Walt)، حيث تمتلك الولايات المتحدة فائض قدرة عسكرية جبّارة، لكنها تفتقر إلى استراتيجية سياسية متماسكة لإدارة مآلات الصراع.
فالتجارب السابقة، كالحرب العراقية وأفغانستان، تظهر أنّ إسقاط القدرات العسكرية لا يعني بالضرورة بناء الاستقرار. تتحوّل القوة هنا من أداة لحسم الصراعات إلى عامل يطيل أمدها، في ظلّ عجز عن ترجمة التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستدامة.

تقاطع الخطابات:
نحو تصعيد مقيّد

عند مناقشة هذه الخطابات مجتمعة، يتضح أنها لا تتصارع فقط على الأرض، بل على تحديد “قواعد اللعبة” ذاتها:
*إيران ـ تركز على رفع كلفة الاشتباك على الخصوم، وتحويل الجغرافيا إلى ورقة ضغط دفاعية.
*”إسرائيل” ـ تسعى لمنع تراكم القوة لدى الخصم عبر ضربات استباقية مؤذية لها ابعاد اقتصادية، كما أنها تؤدي الى تصاعد الوضع العسكري التّدميري في المنطقة بأسرها، تفاقم الصراع لأهداف سياسية وعسكرية.
*الولايات المتحدة الأميركية ـ تحاول إدارة الصراع مع درجة كبيرة من الإيذاء دون الانزلاق إلى حرب شاملة، كما هو الظّاهِر.
غير أنّ التقاطع بين هذه الأهداف يُنتج حالة من “التصعيد المقيّد ” (Limited Escalation)، حيث يرتفع مستوى العنف دون أن يبلغ نقطة الانفجار الكلي. يفسّر هذا المفهوم الذي طوره علماء استراتيجيون مثل هيرمان كان (Herman Kahn) حول كيفية إدارة الصراعات بشكل يمنع التكلفة الباهظة للحرب الشاملة، مع بقاء الرغبة في تحقيق المكاسب الحقيقة او بعضٍ منها.

صراع على شروط
ما بعد الحرب

ختاماً، يمكن الاستنتاج أنّ الحرب الحالية يبدو أنها ليست صراعاً على النصر “الشّامِل”، كما صارت إليه، بقدر ما هي صراع على تحديد شروط توافقات ما بعد الحرب.
إنّ غياب أفق واضح للنهاية، وتباين الخطابات في تعريف “النجاح” أو “الإنجاز”، يجعلان المشهد مفتوحاً على سيناريوات معلقة، حيث لا يملك أيّ طرف القدرة على الحسم الكامل، ولا القدرة على التراجع دون كلفة. تتحوّل المنطقة إلى مختبر حي لنظرية “التوازن الهش” (Fragile Equilibrium)، حيث تدار الحرب بمنطق إدارة الأزمات لا منطق الحسم.
في هذا التوازن الهش، يكمن الخطر الأكبر: حرب تُدار بلا رؤية من الذين تجرؤوا على خوضها بغير أساس شرعي؛ لا دولي، ولا إنساني، ولا دفاعي، بل حوّلوها إلى جرائم مستمرة في الحَرثّ والنَّسل، لغايات لا تخفى على عاقل: السيطرة الشيطانية على السيادة والثروات، والإخضاع من أجل تحقيق تنازلات مستمرة. وهكذا تستمر الأمور بلا نهاية واضحة، لغاية تاريخهِ.

شاهد أيضاً

*الولاية: سرّ العزة الذي غُيّب* 

دينا الرميمة *متى كانت آخر مرة سمعتِ فيها عن يوم الغدير إلا في همس خافت؟* …