حين يصغي الزمن إلى المرأة

 

الزمن لا يمضي، بل يتنقّل فينا، يتواشج مع أنفاسنا كما يتواشج الضوء مع الغبار في آخر النهار. هو النبض الذي يعيد تشكيل ذاكرتنا حين نغفل، كأنه حجرٌ صغير يُلقى في بحيرة الأرواح فيدوّي صدى الدهور تحت سطح الوعي. في أعماق الإنسان يعمل الزمن كحرفٍ خفيّ منقوشٍ في ذاكرته، لا يقرأه إلا حين يصيبه الحنين. وحينها، لا يكون الشوق إلى الماضي سوى محاولةٍ للمس ظلالنا التي سبقتنا، كأن الذاكرة وجهٌ آخر للوجود يعيد ترتيب أشلائه بعد كل مرورٍ بالمكابدة. فالزمن لا يَسرق إلا ما نرضى أن يُسرَق، ولا يُمحى منا إلا الجزء الذي كفّ عن الإحساس بالحياة.
وفي معراج المعنى بين صورة الأنثى وحقيقتها، يبدو الزمن عالماً من المرايا. الأنثى هي الكائن الوحيد الذي يختزن في ملامحه فلسفة مرور الوقت: تذبل الزهرة ولكنها تحتفظ بعطرها، تتغير الملامح ولكن يبقى الحضور كما هو، ممهوراً بصدق الذاكرة لا بزيف المرآة. في لحظة الحضور الأصيلة تُصبح المرأة زمناً يُقام لا يُقاس، حضورها لا يُستهلك، بل يُضيء به الإنسان طريقه إلى ما وراء الأسطح. حين تصمتُ المرأة التي تعرف حقيقتها، يتوقّف الزمن لحظةً ليصغي، لأن في عمق هذا الصمت نداءً يعيد ترتيب المقاييس بين الروح والمظهر، بين الإنسان وما صُنع منه من رؤى متشظّية.
أما الذاكرة فهي المعبد الذي تتعبد فيه الأنثى والإنسان سواء، كلٌّ يبحث فيه عن صورته الأولى قبل أن تتكسر على وجه السوق. هناك تتقاطع الخطى بين الماضي والمطلق، بين من كان وما ينبغي أن يكون. الذاكرة ليست خزينة للمشاهد، بل حدسٌ جوهريّ لمركز الكينونة، والبشر يفقدون صفاءها حين يستبدلون حضورهم بصورٍ منمّقة. وحين يعجز القلب عن تذكّر حرارة البدايات، يتصلّب الزمان على أطراف الأرواح كمقبرةٍ من الضوء. وحدها المرأة الأصيلة، تلك التي لم تنفصل عن سرّها الأول، تستطيع أن تُعيد للزمن ملامحه الرحيمة، لأنها تحفظ في صمتها معنى البقاء حين يشيخ كلّ شيء سواها.

بقلم الدكتور فواز فرحات
رئيس تيار الفكر الشعبي

شاهد أيضاً

مهنا إلى جنيف حاملاً صوت لبنان وشعبه الذي يتعرض للعدوان إلى المنابر الدولية

  غادر رئيس مؤسسة عامل الدولية الدكتور كامل مهنا بيروت متوجّهًا إلى مدينة جنيف السويسرية …