الإعلامي رامي ضاهر: الكلمة مسؤولية… ولبنان لا يحتمل مزيداً من الوجع

لبنان بين المعاناة اليومية وغياب الدولة

حوار رئيس التحرير فؤاد رمضان 

رامي سعيد ضاهر إعلامي لبناني بارز ، عُرف بمهنيته العالية والتزامه بقضايا الناس والمجتمع، وكرّس مسيرته للدفاع عن الحقوق الاجتماعية والإنسانية، فشكّل حضوره الإعلامي مساحة لصوت المواطن وهمومه.

بدأ ضاهر مسيرته الإعلامية بين عامي 1996 و2000 في جريدة “صوت الشوف”، قبل أن ينطلق عام 2000 مراسلًا ميدانيًا في جريدة “البلد” وإذاعة “صوت الشعب”، حيث كانت انطلاقته الفعلية مع تغطية مرحلة التحرير. ومنذ ذلك الحين، تنقّل بين عدد من الصحف والمجلات اللبنانية والعربية، منها “النداء” (2005)، “اللواء”، مجلة “ليل نهار” حيث تولّى إدارة العلاقات العامة، إضافة إلى عمله مراسلًا لعدة مواقع إخبارية بينها “أخبار عربية”،  و“المجتمع”، وهو اليوم مدير تحرير موقع ومجلة “المجتمع”.
في الإذاعة، شكّل حضوره في إذاعة “صوت الشعب” علامة فارقة منذ العام 2000 كمراسل ومعد برامج، وقدم برنامج “قضية اليوم” الذي استمر لأكثر من 12 عامًا، متناولًا قضايا العمال والفئات المهمشة، وحائزًا عنه جائزة أفضل برنامج اجتماعي من مجموعة الإعلام العربية، اضافة الى برامج عدة منها “شؤون بلدية” “الحياة العمالية” “صناعة وطنية” “صرخة وجع” “صرخة مواطن” “مع الناس” ويواصل ضاهر حضوره الإذاعي من خلال برنامج “الملف”، الذي ما زال يبدع فيه حتى اليوم، عارضًا ملفات تتناول قضايا الفساد ومعاناة المواطنين، كاشفًا مكامن الخلل وملاحقًا القضايا بجرأة ومسؤولية، في إطار إعلام استقصائي يضع الحقيقة والمصلحة العامة في المقدمة. كما كانت له تجارب إذاعية أخرى عبر “صوت بيروت” عام 2010، حيث قدّم برنامج “سياحة عالإذاعة” و”لمجتمع أفضل” الذي هدف إلى تسليط الضوء على مكامن الخلل الاجتماعي وفضح الجمعيات الوهمية.
على شاشة تلفزيون لبنان منذ عام 2008، عمل معدًا ومراسلًا في مديرية البرامج والأخبار، وشارك في إعداد وتقديم عدد من البرامج الاجتماعية والإنمائية، إلى جانب مهامه كمراسل حربي وميداني في مديرية الأخبار. كما عمل مراسلا لبرنامج “مشاكل وحلول” لأكثر من عشر سنوات، متابعًا قضايا الناس المعيشية والاجتماعية بمهنية عالية، إضافة إلى مشاركته في برامج “ناس وأحداث”، “أحلى صباح” و“زركشة”. وغطّى خلال مسيرته التلفزيونية الحروب والأزمات الداخلية، من نهر البارد إلى العدوان الإسرائيلي على لبنان والجنوب، إضافة إلى بدايات الحرب السورية.
كما عمل مراسلًا ومعدًا في إذاعة “صوت الحرية”، وأنجز عشرات الأفلام الوثائقية عن البلدات اللبنانية، والشروق والجزائر الدولية وشارك في تغطية مؤتمرات خارج لبنان، منها المنتدى العربي لمصدري النفط في الكويت، وتغطية الانتخابات في الجزائر، فضلًا عن تغطية بدايات الحرب السورية. وأقام دورات تدريبية للطلاب الجدد في إذاعة “صوت الشعب”، مساهمًا في إعداد جيل إعلامي شاب.
على الصعيد المهني، خضع لدورات إضافية، منها دورة إعلام في المركز الثقافي الروسي عام 2010، ودورة مراسل حربي مع الاتحاد الأوروبي، وتدريب على السلامة مع مؤسسة سمير قصير، ما عزّز من خبرته في العمل الميداني والاستقصائي.
حاز ضاهر عدة جوائز وتكريمات، أبرزها درع التميز الذهبي من اتحاد إذاعات الدول العربية عن برنامج “قضية اليوم”، وتكريم من اتحاد الفنانين الفلسطينيين خلال مهرجان السنديانة، وتقدير من اتحاد المعوقين اللبنانيين، إضافة إلى شهادة تقدير من وزير الثقافة اللبناني محمد وسام المرتضى تقديرًا لدوره في دعم الثقافة الوطنية.
وهو عضو في نقابة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع، وعضو اللجنة الإعلامية الوطنية لمواجهة التطبيع، ومسؤول إعلامي في الاتحاد الوطني للعمال والمستخدمين، إضافة إلى توليه مسؤوليات اوإعلامية في عدد من الجمعيات والأندية الثقافية.
بهذه المسيرة الممتدة منذ أكثر من ربع قرن، رسّخ رامي سعيد ضاهر حضوره كصوت للمواطن، وجعل من الكلمة أداة للدفاع عن الحق والعدالة والكرامة.

وفي لقاء حواري. لموقع ” مجلة كواليس” بعدة اسئلة تناول شؤون وشجون هذه المهنة
اخرج ما في جعبته من مخزون مسيرته باسلوبه السلس البليغ المعتاد انارة للقاريء وتصويبا للبوصلة نحو. الوجهة الحقيقية تعميما للفائدة لمن يمارسون مهنة الصحافة

منذ تأسيس هذا البلد والمشاكل التي يعاني منها، سواء كانت سياسية أم عسكرية أو اقتصادية واجتماعية، لا تنتهي. اليوم نقول إن الشعب اللبناني، كان الله في عونه، كيف استطاع أن يتحمّل هذا الكم من المعاناة؟ نرى الناس بلا كهرباء ولا ماء ولا وظائف بلا ضمان صحي واستشفائي، شباباً بلا مستقبل واعد، ومثقفين متروكين لقدرهم، وهذه المشاهد نراها يومياً منذ سنوات طويلة.
وخلال الثلاثين سنة الأخيرة عاش اللبناني معاناة كبيرة نتيجة الاعتداءات الصهيونية المتكررة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، وغياب الرؤية الواضحة لدى الدولة في التخطيط والتوجيه، إضافة إلى ضرب التعليم الرسمي الذي كانت نتائجه مشرّفة سواء في الجامعة اللبنانية أو في المدرسة الرسمية.

إعلام على الأرض… لا خلف المكاتب

أما في ما يتعلق بعملي الإعلامي، فأنا من الأشخاص الذين يحبون أن يكونوا على الأرض، يسمعون الناس ويعيشون معاناتهم. كل البرامج التي عملت فيها منذ عام 1996 حتى اليوم، أو كتبت عنها، كانت ذات طابع اجتماعي، أغوص فيها بعمق في المعاناة الإنسانية للمواطنين.
عملت في إذاعات صوت الشعب وصوت الحرية وصوت بيروت، وكتبت في صحف ومواقع عدة مهتمة بقضايا الناس وكشف الفساد والحقائق. كل المواضيع التي طرحتها كانت مرتبطة مباشرة بهموم الناس.

مشاهد الحرب التي لا تُنسى

من أكثر المراحل التي أثّرت في حياتي المهنية الحرب الأخيرة على لبنان، عندما رأيت أماً تبحث عن اشلاء من جسد ابنها وتحفر التراب بيديها، إضافة إلى المشاهد التي شاهدتها في الجنوب والضاحية الجنوبية: المستشفيات والدفاع المدني والصليب الأحمر. كل هذه الأحداث تركت أثراً في داخلي وأكدت لي أن في لبنان واقعين: لبنان يموت كل يوم ولبنان آخر يعيش الفرح وكأن شيئاً لا يحدث.
أنا لست ضد السعادة، بل ضد أن يعيش أحد من دون أن يشعر بوجع الآخر.

الكلمة موقف وليست مجرد خبر

الأساس في الإعلام هو إيصال الحقيقة كما هي ولو كانت جارحة. هذا ما رأيت وهذا ما تعلمته طوال سنوات عملي. وكما قال رضوان حمزة:
«من لا يهتم لبلده ولا يكرّم مثقفيه ولا يعطي قيمة للإنسان، إلى مزبلة التاريخ».
وأنا أؤيد هذا الكلام: من لا يحترم مثقفيه ولا يملك انتماءً لوطنه ولا يستطيع حماية أبنائه، إلى مزبلة التاريخ.
قد تكون الكلمة جارحة للبعض ومفرحة لآخرين، لكن واجبنا نقل الحقيقة. عندما تحدثنا عن إنشاء خزانات غاز من دون ترخيص وخطرها على السلامة العامة، أو عند تغطية الحروب ووجود أناس متروكين بلا طعام ولا ماء، هناك من يقدّر وهناك من لا يهتم.

شهداء الكلمة والذاكرة المنسية

الكثير من الزملاء ضحّوا ومنهم من استشهد، وبقيت كلماتهم خالدة للأجيال. هناك صحافي أو مقاوم أو عسكري قال كلمة الحق وضحّى بنفسه من أجل بقاء الوطن. أناس ماتوا بسبب الكلمة، وأهم مثقفي البلد اغتيلوا، وآخرون سُجنوا وتركوا أعمالهم لأنهم وقفوا مع الحق.
لكن في لبنان كثير من الأمور تضيع في زواريب السياسة والمحاصصة، ويبتلعها النسيان.

من الثورة إلى الانفجار: مجتمع ينزف

وثّقت الكثير من المشاهد وبعضها أتحفّظ عن عرضه. في أحداث الثورة تعرّض الكثير من الناس للضرب والتعنيف من دون محاسبة، وعشرات الشبان والشابات فقدوا عيونهم أو أصيبوا بإعاقات، إضافة إلى انفجار مرفأ بيروت والاشتباكات التي رفعت نسب الإعاقة والفقر. هناك من ترك جامعته ومدرسته، ومن ترك كل شيء ليؤمّن قوت يومه.
هاتفي يتلقى يومياً اتصالات لطلب المساعدة، وأحياناً لا نستطيع تقديم شيء سوى تسليط الضوء على وجعهم وإيصال صوتهم.

أي وطن نريد؟

نحن نريد بلداً لنا ولأولادنا، نريد محاربة الفساد وعودة أموال الناس والثقة بين الدولة والمواطن. من حق الطالب أن يتخرج ويجد عملاً، ومن حق المزارع أن يبقى في أرضه بدعم من الدولة، ومن حق الصناعة أن تُدعم.
لا نريد سلاماً على حسابنا بل من أجلنا ومن أجل أولادنا، ونحن ضد التطبيع، وإسرائيل عدوة طالما أنها تحتل أرضنا. نريد علاقة أخوّة مع العالم العربي واحترام، وعدونا هو من يغتصب أرضنا وينتهك سيادتنا.

الإعلام بين الحرية والفوضى

اليوم هناك هجوم كبير على الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وعدم احترام للمهنة. ليس خطأ أن يطمح أي شخص لأن يكون مراسلاً، لكن عليه أن يدرك مسؤوليته: أن لا يكذب وأن ينقل الصورة كما هي من دون تحيز أو تشهير. لسنا قضاة بل ناقلو حقيقة، والقضاء هو من يقرر.
بعض من يسمون أنفسهم إعلاميين يمارسون دور الحكم ويشهّرون بالآخرين، وتقع مسؤولية أيضاً على النقابات الإعلامية في تنظيم المهنة وعدم إعطاء التراخيص عشوائياً. هناك قانون قُدّم إلى الوزارة وهو اليوم في مجلس النواب والعمل عليه أصبح ضرورة.

مرحلة خطرة تحتاج وعياً

بعض القنوات تتحيز لمن يدفع أكثر من دون النظر للحقيقة، فإلى أي مدى يستطيع المواطن تحمّل هذا التضليل؟ خصوصاً في ظل الهجمات على الشباب ومحاولات تجنيدهم وتضليلهم فكرياً، إضافة إلى تفكك المجتمع الأسري نتيجة الاستخدام الخاطئ للهواتف ومواقع التواصل.
نحن نعيش مرحلة خطيرة تتطلب وعياً كبيراً وإدراكاً لكل ما يحصل حولنا.

تسمية الشوارع والذاكرة الوطنية

اليوم أيضاً هناك مطلب أساسي يتعلق بالذاكرة الوطنية، وهو تغيير أسماء الشوارع التي سُمّيت على أسماء من ساهموا في تدمير البلد أو ارتبطت بالمحتلين، واستبدالها بأسماء شخصيات قدّمت تضحيات حقيقية ورفعت اسم لبنان عالياً في الثقافة والعلم والفن والنضال.
فالأماكن ليست مجرد حجارة، بل ذاكرة وهوية، وعندما يسير أولادنا في شوارع تحمل أسماء تستحق الاحترام يشعرون بالانتماء الحقيقي لوطنهم، أما عندما تحمل أسماء مرتبطة بالاحتلال أو بالخراب فإنها تكرّس ثقافة خاطئة في الوعي الجماعي. نحن بحاجة إلى إعادة كتابة ذاكرتنا الوطنية بطريقة تليق بتاريخ لبنان وتضحيات أبنائه.

 

شاهد أيضاً

السطر الأخير

خضر حيدر  لا تكتبوا الوهمِ بإسمي كي أرى الشوكَ فراشًا من حرير سوف يأتي من …