بقلم: أمين السكافي
المقاومة ليست شعارًا، ولا موقفًا موسميًا، ولا حالة وجدانية تُستدعى عند المجازر وتُنسى عند التعب. المقاومة خيار وجودي، له جذور فكرية، ومرجعية أخلاقية، وبوصلة لا يجوز أن تدور مع الريح.
نحن أمام بيئتين تحملان اسم المقاومة، لكنهما تختلفان في الجوهر اختلافًا حاسمًا.
البيئة الأولى هي بيئة المقاومة العقائدية الدينية، التي ترى في مواجهة الاحتلال والهيمنة تكليفًا شرعيًا، وفي نصرة المظلوم طاعةً لله، وفي الصبر على الكلفة امتحانًا للإيمان. هذه البيئة لا تفصل بين فلسطين والإسلام، ولا بين غزة و«لا إله إلا الله»، ولا بين البندقية والعقيدة. هنا، المقاومة ليست ردّ فعل، بل التزام ثابت لا يتبدل بتبدّل الظروف.
في هذه البيئة يقف محور المقاومة واضحًا ومعلنًا:
الجمهورية الإسلامية في إيران بوصفها العمق الاستراتيجي والعقائدي،
حزب الله في لبنان،
الحشد الشعبي في العراق،
أنصار الله في اليمن،
وفصائل المقاومة الإسلامية في فلسطين، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي.
هذا المحور، رغم تنوّعه الجغرافي والسياسي، يجتمع على ثابت واحد: أن المشروع الصهيوني عدوٌّ وجودي، وأن مقاومته واجب لا يخضع للمساومة.
البيئة الثانية هي بيئة مقاومة غير دينية، علمانية أو ملحدة، ترى في المقاومة موقفًا إنسانيًا أو سياسيًا، لا التزامًا عقائديًا. هذه البيئة قد تصيب في تشخيص الظلم، لكنها تبني مواقفها على الأحداث لا على الثوابت، وعلى التحليل المتغيّر لا على المرجعية الثابتة. لذلك، تسمح لنفسها بانتقاد رموز من محور المقاومة، أو التشكيك بخياراته، أو إعادة تقييمه كلما تغيّر السياق.
الفرق هنا ليس تفصيليًا، بل جوهري.
المقاومة العقائدية تحاكم الواقع إلى المبدأ.
والمقاومة غير العقائدية تحاكم المبدأ إلى الواقع.
الأولى تملك عنصر الاستمرارية، لأن دافعها لا ينضب.
والثانية معرّضة للتآكل، لأن موقفها مرتبط بالظرف لا بالعقيدة.
لسنا بصدد التقليل من أحد، ولا مصادرة حق أحد في الاختلاف، لكننا نؤكد حقيقة لا يمكن القفز فوقها:
المقاومة التي لا تُضبط بعقيدة، ستُستنزف بالزمن.
والمقاومة التي لا تُلزم أصحابها بمرجعية عليا، ستتفكك عند أول اختبار طويل.
إن احترام رموز محور المقاومة ليس مسألة عاطفية، بل ضرورة استراتيجية. فالنيل من هذا المحور، أو تفكيك صورته، أو التعامل معه كموضوع نقد يومي، يخدم العدو مهما حسنت النوايا. وفي معركة بهذا الحجم، لا يُقاس الموقف بحدّته الخطابية، بل بأثره في ميزان الصراع.
حين تختلف البيئات الداعمة للمقاومة، فإن الخاسر ليس التنوع، بل التحول من الثبات إلى التذبذب.
والرابح هو العدو حين نُضعف الجبهة التي تقف في وجهه.
من هنا، نرى أن الغلبة — ولو بفارق واضح — للمقاومة حين تكون عقيدةً قبل أن تكون موقفًا، وواجبًا قبل أن تكون رأيًا، والتزامًا لله قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.
هذه ليست دعوة للإقصاء، بل دعوة للوضوح.
فالزمن زمن فرز، لا تمييع.
والمعركة لا تحتمل بوصلةً مهتزّة.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
