لماذا رفض تشرشل في أحلك لحظاته السلام مع هتلر في أوج قوته؟

في ربيع وصيف عام 1940، كانت بريطانيا تقف على حافة الهاوية. فرنسا انهارت، الجيش البريطاني عاد من دونكيرك مثقلاً بالهزيمة المعنوية، وألمانيا النازية بدت في ذروة قوتها العسكرية والسياسية. في تلك اللحظة، لم يكن اقتراح السلام مع هتلر ضربًا من الخيانة في نظر كثيرين داخل النخبة البريطانية، بل خيارًا عقلانيًا لتجنب الدمار. ومع ذلك، اختار ونستون تشرشل طريق الرفض المطلق، ليس بدافع العناد أو الخطابة، بل نتيجة قراءة عميقة للتجربة السابقة مع هتلر ولطبيعة النظام النازي نفسه.

قبل عامين فقط، كانت أوروبا قد شهدت واحدة من أكبر الخيبات الدبلوماسية في تاريخها الحديث: اتفاقية ميونخ عام 1938. وافقت بريطانيا وفرنسا على منح هتلر إقليم السوديت من تشيكوسلوفاكيا – في واحدة من أقذر الصفقات السياسية التي حيكت ضد التشيكيين– مقابل تعهده الصريح بعدم التوسع مستقبلًا. آنذاك، ساد وهم أن المطالب الألمانية قد أُشبعت، وأن السلام أصبح مضمونًا. غير أن تشرشل، الذي كان خارج السلطة، رأى في الاتفاق تنازلًا خطيرًا لا يجلب سوى الكارثة، محذرًا من أن هتلر لا يحترم توقيعًا ولا يعترف بحدود.

لم تمر سوى أشهر حتى تحققت أسوأ المخاوف. ففي مارس 1939، اجتاح هتلر ما تبقى من تشيكوسلوفاكيا، منهياً وجود دولة مستقلة دون أي مبرر عسكري. كانت تلك اللحظة مفصلية في عقل تشرشل؛ إذ لم تعد خيانة ميونخ مجرد احتمال، بل حقيقة مثبتة. بالنسبة له، أصبح واضحًا أن أي اتفاق مع النظام النازي ليس سوى استراحة قصيرة قبل عدوان جديد، وأن السلام معه يعني تأجيل الحرب لا تجنبها.

ثم جاءت بولندا لتقضي على ما تبقى من أوهام. في سبتمبر 1939، غزت ألمانيا بولندا رغم المعاهدات الدولية وضمانات عدم الاعتداء. هذا الغزو أكد لتشرشل أن هتلر لا يتحرك بدافع تصحيح مظالم تاريخية فقط ، بل وفق مشروع توسعي لا يعترف بالقانون الدولي آنذاك. من هنا، ترسخ اقتناعه بأن أي سلام يُعقد مع برلين سيكون هشًا، ومشروطًا بضعف الطرف الآخر، وقابلًا للانهيار بمجرد أن تسمح الظروف لهتلر بالضرب مجددًا.

عندما تولى تشرشل رئاسة الحكومة في مايو 1940، كانت بريطانيا معزولة تقريبًا. سقطت فرنسا أو كانت على وشك السقوط، وإيطاليا انضمت إلى المحور، والولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن أتون الحرب. داخل حكومته نفسها، طُرحت فكرة التفاوض غير المباشر مع هتلر عبر موسوليني، باعتبارها مخرجًا يحفظ الإمبراطورية البريطانية من الانهيار. لكن تشرشل رأى في هذا الخيار بداية النهاية؛ فالتفاوض من موقع الضعف مع خصم أثبت احتقاره للاتفاقيات لن يؤدي إلا إلى فقدان السيادة تدريجيًا.

كان تشرشل يدرك أن المشكلة لم تكن في شروط السلام المحتملة فقط، بل في طبيعة الطرف المقابل. فهو لم ينظر إلى هتلر كزعيم تقليدي يمكن ردعه أو احتواؤه، بل كقائد عقائدي تحكمه رؤية شمولية وعنصرية و قال مقولته الشهيرة ” تم تخييركم بين العار و الحرب فاخترتم العار و ستنالون الحرب”. النازية، في نظره، لم تكن تبحث عن توازن قوى، بل عن هيمنة مطلقة. قبول بريطانيا بسلام يُبقي هتلر سيد القارة كان يعني، عاجلًا أم آجلًا، خضوعها للابتزاز السياسي والاقتصادي، وربما العسكري.

إلى جانب الحسابات الاستراتيجية، لعب العامل الأخلاقي دورًا حاسمًا في موقف تشرشل. فقد كان مقتنعًا بأن بريطانيا، بتاريخها ومؤسساتها، لا يمكنها أن تساوم على حريتها مقابل البقاء المؤقت. الاستسلام المقنّع، في نظره، كان سيترك الأمة حيّة جسديًا لكنها ميتة معنويًا، ويحوّلها إلى شاهد صامت على انتصار نظام يقوم على القمع والقوة.

لذلك، حين أعلن تشرشل أن بلاده ستقاتل مهما كان الثمن، لم يكن يخاطب البرلمان فقط، بل كان يضع خيارًا وجوديًا أمام الشعب البريطاني: إما مقاومة قد تكون مكلفة، أو سلام زائف يحمل في داخله بذور العبودية. راهن على صمود الداخل البريطاني، وعلى أن الزمن سيجرّ قوى أخرى إلى الحرب ضد ألمانيا، وهو رهان بدا آنذاك شبه مستحيل.

التاريخ أثبت لاحقًا أن رفض السلام في تلك اللحظة لم يكن مغامرة طائشة، بل قرارًا غيّر مسار القرن العشرين. فلو قبلت بريطانيا التفاوض، لكان هتلر قد ثبت هيمنته على أوروبا دون مقاومة تذكر. برفضه السلام، لم ينقذ تشرشل بلاده فحسب، بل حافظ على فكرة أن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها، وأن بعض الحروب، مهما كانت مدمرة، أقل كلفة من سلام يُبنى على الخيانة والخضوع.

شاهد أيضاً

مطبخ حكايات زمان

🔸حطى البطاطس في درج التلاجة لان في الصيف مش الموسم بتاعها فبتبوظ بسرعة وبتزرع حطيها …