بشرى المؤيد
من يقول عن اليمنيين أنهم متزمتون و لا يكرمون المرأة فهم مخطئون جدا،ومن يقول أنهم يحطون من قدرها، أو أنهم لا يعطونها حقوقها الشرعية أيضا هم لم يفهموا معدن اليمنيين الأصيل أبدا ؛ وهذا الكلام ليس مبالغ فيه لكن إقرأوا و فتشوا في صفحات التاريخ اليمني و ستجدون أن ملكات اليمن كانت تتربع على عرش الملك لعقلها الراجح،وحكمتها الراشدة، وبصيرتها النافذة ؛ لذلك حازت هذه المكانة الرفيعة والشريفة
وإن وجد في يمننا الحبيب ما يقلل من قدرها و شأنها فهذا منذ فقط أدخلت عليه ثقافة الوهابية الغريبة التي حرفت مفاهيم و فكر اليمنيون لكن أكثرية اليمنيين رفضوا هذا الفكر و سرعان ما عادوا إلى أصول فكرهم السليم من القرآن الكريم وأعلامه المؤمنين الذين أتبعوا قرآنهم ورسولهم الكريم قال رسول الله صل الله عليه وآله وسلم “كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء و الأرض و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض” .
ومما يدلل على أن المرأة كريمة و عظيمة ولها مكانتها الكريمة حين ذكر عز وجل ملكة بلقيس كيف تصرفت “بوعي و بصيرة و رشد” حين ألقي إليها كتاب من سيدنا سليمان فقالت: قال تعالى:”قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ *إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ” تعالوا بنا نفصل خطابها بتدبر و تأني و عمق تفكير:-
▪︎أولا ماذا عملت؟ ليدل على رجاحة عقلها و عدم تسرعها في القرارات، قامت بجمع كبار قومها و مستشاريها و جمعتهم كلهم لتحدثهم في أمر عظيم لم يسبق أن حدث لها خلال فترة و مدة حكمها.
▪︎ثانيا ما يدل على أن أنها تتمتع “بإيمان فطري” و “حسن الإهتمام” بما فيه فوصفته “بكتاب كريم” ليدل على أن ما في هذا الكتاب كلام عظيم ومهم ،وكلام فيه جاذبية لم تقرأ مثله من قبل ف”بسم الله الرحمن الرحيم” أثارت إنتباهها وأن بسم الله لها سر عظيم.
▪︎ثم ما يدل على أنها تتمتع بالذكاء أنها ذكرت لهم إسم الملك لتجعل إنتباههم و تركيزهم يكون أكثر لما ستلقيه عليهم من كلام مهم فتجعل تركيز عقلهم و إنتباههم يكون أكثر.
▪︎ ذكرت لهم بكل شفافيةأنه يدعوهم إلى دين الله فلا يتكبروا و يستعلوا و يأتوا إليه مسلمين بكتاب الله.
هل تخيلتم معي كيف ألقت لهم هذا الكلام؟ و كيف كان رد فعلهم حين سمعوا منها هذا الخطاب؟ و كيف يتركون عبادة ما كان آبائهم يعبدون و هم منذ زمن طويل يعبدون الشمس؟ لكن الملكة كي تشركهم في تفكيرها، و تجعل الأمر بينهم شورى، ويكون بينها و بينهم نقاش، وأخذ و رد فيما بينهم، وتبادل أفكار قالت: قال الله تعالى” قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ” فطمأنوها وقالوا لها الأمر إليك وما ستتخذينه من أمر سنكون معك فأنت تعرفين أن قومك هم أولوا القوة و البأس الشديد.
فحين إستمعت إلى آرائهم قالت لهم: قال الله سبحانه و تعالى “قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ *وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ” كانت ترى الملكة بفطرتها أنه إذا أتى عدوان على أي بلد أفشوا الفساد بكل أنواعه في البلد الذي يعتدون عليه و ثانيا، بعد أن يفسدو كل أنواع الفساد يجعلوا أهلها “خاضعين،منكسرين،أذلاء، لا يقوون على مواجهة العدو لأنه أضعف قدرتهم المعنوية و قدرتهم العملية فيصبحون بذلك خاضعين ليس لهم القدرة على مواجهة ذلك العدو.
ولأن بينها وبين قومها نقاش إستشارتهم و أطلعتهم على أنها ستعمل لسيدنا سليمان إمتحان تعرف من خلاله هل دعوته لهذا الدين حقيقية أم أنه يريد أموال الدنيا و لديه طمع في أخذ هذه الأموال. فأعطت له هدايا لم تهدي إليها أي ملك لكن سيدنا سليمان رفض لأن ملكه و ما لديه أعظم مما عندها فهو يدعوها لدخول دين الله ولا يريد مما لديها أي شيئ قال تعالى ” فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} فما أراده إلا أن يعلنوا إسلامهم و يدخلون في دين الله أفواجا .
وفي آخر قصة الملكة أرسل لها سليمان دعوة بأن تأتي و من معها إلى قصره و كان سيدنا سليمان آتاه الله الملك ما لم يأتي لأي نبي من قبل فأمر بإتيان عرشها إليه فكان الذي عنده علم من الكتاب أتى به قبل أن يرتد طرفة عينه فحمد الله وشكره وأمر أن يغيروالها ملامح عرشها لعلها تهتدي وحين وصلت رأت أن ما لديها ليس بشيئ مما عند سيدنا سليمان و أن قصره الزجاجي الممرد كدليل إضافي على قدرة الله وحكمته، لتدخل بلقيس في الإيمان.
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ*وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ*قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ* قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”
▪︎وما نستفيد من هذه القصة أن إرادة الخير كانت هي الأقوى وأن الإيمان الحقيقي لا يباع و لا يشترى لانه يستوطن في القلب و الروح. فإيمان الملكة و قومها لم يكن إيمان مزيف أو فيه رياء بل كان إيمان مستقر في القلب و الروح و العقل وبهذا ينتصر الإيمان إلى يومنا هذا.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
