في تفكيك خطاب القيح والكراهية : تعبير عن مرض عضال لسلطة مأزومة!!

د. بسّام أبو عبد الله

22 كانون الأول / ديسمبر 2025

لم يعد ممكنا” النظر إلى ما يُقال على بعض المنابر في سورية بوصفه اجتهادا” دينيا” أو رأيا” وعظيا” معزولا”. نحن أمام خطابٍ عامٍّ يُلقى من موقع سلطة رمزية ، ويتجاوز حدود الإرشاد الديني إلى التدخل المباشر في تعريف المواطنة، والشرعية ، والحق في الحياة ذاتها . فلسفيا” هذا خطاب يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وينفي قابلية الخطأ، ويحوّل الاختلاف إلى انحراف أخلاقي أو ديني . وقانونيا” نحن أمام تحريض علني، وتجريم جماعي، وتهديد صريح، وهي أفعال تُصنَّف في كل النظم القانونية الحديثة بوصفها خطاب كراهية، لا آراءً محمية.

التجارب المقارنة، من أوروبا بعد الحروب الدينية، إلى دول خرجت من صراعات أهلية حديثة، تُظهر بوضوح أن ترك المجال العام رهينة للخطاب الديني المُسيَّس يؤدي حتما” إلى العنف والانقسام. في المقابل، فإن تحييد الدولة، وضبط الخطاب العام بالقانون ، هو ما حمى مجتمعات شديدة التعدد من الانفجار. من هنا، لا تأتي هذه القراءة خصومة مع الدين، بل دفاعا” عنه من الابتذال السلطوي، ودفاعا” عن المجتمع من الانهيار النهائي، وهو يسير حكما” في هذا الاتجاه .

أولا” – ما صدر عن أحد شيوخ السلطة من منبر الجمعة قبل أيام بعصبية واضحة ، ليس وعظا” دينيا”، بل خطاب كراهية مكتمل الأركان . حين يُوصَف مواطنون بأنهم “يهود”، ويُقال عنهم إن “حكمهم حكم اليهود”، فنحن أمام نزع صريح للانتماء الوطني والحقوقي ، وتحويل الخلاف الفكري إلى قضية وجود. في القانون الجنائي المقارن، هذا النوع من الخطاب يُعد تحريضا” مباشرا” لأنه يربط هوية جماعية بحكم عقابي غير محدد، ويترك المجال مفتوحا” للعنف .

ثانيا” – تحويل “اليهودي” إلى شتيمة ليس فقط إساءة لجماعة دينية ، بل انحدار أخلاقي وفكري خطير. هذا الخطاب يُحوّل الدين إلى أداة إقصاء، ويجعل الانتماء العقدي معيارا” للقبول أو الرفض . تاريخيا”، لم تكن هذه اللغة يوما” بريئة ؛ في كل التجارب، من أوروبا القرن العشرين إلى النزاعات الحديثة، كانت شيطنة جماعة دينية مقدمة لتجريدها من الحقوق . الأخطر أن الشيخ لم يُطلع الناس على ما يعنيه بـ “حكم اليهود”: أهو حكم فقهي ؟ سياسي؟ أمني؟ هذا الغموض ليس سهوا”، بل وسيلة تهديد مبطّن .

ثالثا” – نحن بحاجة لتوضيح ضروري وأساسي : نعم ، المجتمع السوري متنوع ثقافيا”، واجتماعيا”، وقيميا”، وهناك اختلافات حقيقية بين أبنائه في قضايا عديدة . لكن هذا التنوع كان دائما” مصدر غنى حين وُجدت قواسم مشتركة ، ودولة ، وقانون، ومواطنة متساوية . التنوع يصبح كارثة فقط حين يُترك رهينة منابر التحريض، وأمثال هذا الخطاب، الذي لا يرى في الاختلاف إلا تهديدا” يجب سحقه . التجارب المقارنة تُظهر أن المجتمعات المتنوعة لا تنهار بسبب التنوع ، بل بسبب غياب الدولة وتحكيم العصبيات.

رابعا” – تعريف العلمانية بأنها “شعب بلا دين” هو تزوير فجّ . العلمانية: فلسفيا” وقانونيا” ليست موقفا” عقديا”، بل إطارا” لتنظيم التعدد ، يمنع تحويل الاجتهاد الديني الشخصي إلى تشريع قسري . الدول التي تبنت هذا النموذج لم تُلغِ الدين، بل حمت التدين الفردي من الاحتكار. أما الدول التي خلطت بين السلطة والدين ، فقد غرقت في صراعات لا تنتهي.

خامسا” – الادعاء بأن المجتمعات المنفتحة أكثر انحلالا” أخلاقيا” يناقض الوقائع . الإحصاءات العالمية في علم الاجتماع تُظهر أن المجتمعات المنغلقة تسجل نسبا” أعلى من السلوكيات الجنسية السرّية، والتحرش، والاعتداءات، بسبب الكبت وغياب التنظيم القانوني . الفرق ليس في “الطهارة”، بل في إدارة الظواهر اجتماعيا” وقانونيا”. الأخلاق لا تُنتج بالقمع، بل بالمساءلة .

سادسا” – إن شرب الخمر لا علاقة له بالعلمانية كنظام حكم . هو سلوك فردي موجود في كل المجتمعات ، بما فيها الأكثر تدينا” . الدولة الحديثة لا تروّج له أخلاقيا”، بل تنظّمه قانونيا”. ربطه بالعلمانية هو مغالطة تهدف إلى شيطنة مفهوم سياسي عبر إثارة الغرائز ، بالمناسبة نسبة من يشربون الخمر في بعض المناطق المحافظة في سورية ، أعلى من المناطق المنفتحة وفقا” لتوصيف شيخنا؟؟ لذلك قلنا أنه سلوك فردي موجود لدى مجتمعات عديدة.

سابعا” – الاتهام الضمني بالكفر والزنا هو أخطر ما في الخطاب. فقهيا” الاتهام للناس المختلفين ( هنا العلمانيين ) بممارسة الزنا هو من الكبائر ، وتاريخيًا لم تُستخدم إلا في سياقات صراع سياسي . هذا يعكس فقه سلطة، واتهامات سياسية ، ووضيعة حقيقة .

شاهد أيضاً

🛑*إيهود باراك: لبنان عنوان الفشل الإسرائيلي.. حزب الله باقٍ ونتنياهو بدد الفرص وأغرق إسرائيل في الاستنزاف*

*وكالة وطن**هاجم رئيس وزراء الاحتلال الأسبق ايهود باراك حكومة بنيامين نتنياهو، معتبراً أن ما يجري …