أمريكا لا تخدع أحداً: سورية و توازنات القوة ، والشرعية .

د. بسّام أبو عبد الله

٢١ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥

نادراً ما تتجلى التناقضات البنيوية في السياسة الأمريكية بوضوحها الفج كما تتجلى اليوم في الحالة السورية. فمن جهة يخرج دونالد ترامب بخطاب مديح مباشر لأحمد الشرع ، ويُقدَّم رفع العقوبات بوصفه “فرصة تاريخية”، ومن جهة أخرى ، يصدر بيان موقع من 134 عضواً في مجلس النواب الأمريكي ، يتقدمهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية، ليؤكد أن أي تخفيف للعقوبات ليس سوى إجراء مشروط وهش ، وقابل للارتداد الفوري . وفي اللحظة ذاتها، يُغلَق الباب الأمريكي كلياً في وجه السوريين ، بلا استثناء ، بقرار رئاسي مباشر.

هذه ليست ازدواجية عرضية ، بل نموذج كلاسيكي لسياسة أمريكية مجرَّبة : خطاب علني للاستهلاك ، مقابل بنية مؤسساتية تتحرك بعكسه تماماً. ومن يراهن على الكلمات، متجاهلاً الأفعال ، لم يتعلم شيئاً من تاريخ السياسة الأمريكية

أولاً – البيان الصادر عن أعضاء الكونغرس بعد رفع قانون قيصر لا يمكن فهمه بوصفه دعماً، بل بوصفه إنذاراً مكتوباً. فالكونغرس، بخلاف السلطة التنفيذية، لا يتعامل مع سلطة أحمد الشرع باعتبارها شريكاً، بل باعتبارها كياناً خاضعاً للاختبار. اشتراط ضمانات حماية الأقليات، والدعوة الصريحة لزيارة السويداء، والتعهد بعقد جلسة استماع مطلع 2026 لتقييم الأداء، مع التهديد الواضح بإعادة العقوبات فوراً، كلها عناصر تكشف أن رفع العقوبات ليس اعترافاً، بل أداة ضغط. في الأدبيات الأمريكية ، كما يشرح ستيفن هايدمان في دراسات معهد بروكينغز، هذا النمط يُسمّى “الاحتواء المشروط”، أي إبقاء السلطة قائمة مؤقتاً مع وضعها تحت مجهر دائم.

ثانياً – الأخطر من بيان الكونغرس هو ما تزامن معه : قرار ترامب الشخصي بحظر دخول السوريين إلى الولايات المتحدة. قانونياً يستند القرار إلى الصلاحيات الواسعة التي يمنحها قانون الهجرة والجنسية للرئيس في حال وجود “تهديد محتمل للأمن القومي”، لكنه سياسياً يحمل دلالة أعمق بكثير. فالدولة الأمريكية تقول، بلا مواربة، إنها لا تثق لا بالسلطة الجديدة ولا بالمجتمع الذي تحكمه.

هذا الحظر ليس إجراءً إدارياً، بل تصنيفاً جماعياً للخطورة. ووفق تقديرات مراكز بحثية أمريكية، فإن مثل هذه القرارات غالباً ما تتحول إلى نموذج يُحتذى غربياً، ما يفتح الباب أمام تشدد موازٍ في التأشيرات، واللجوء، والتصنيف الأمني لسوريا، بغض النظر عن هوية من يحكمها.

ثالثاً – هنا تحديداً يقع أنصار سلطة الشرع في خطأ قاتل: الخلط بين خطاب ترامب وموقف أمريكا. الولايات المتحدة لا تُدار بتغريدة، ولا بخطاب انتخابي، بل بشبكة مؤسسات متنافسة. داخل الإدارة نفسها، كما توثق تقارير راند وكارنيغي، كان هناك منذ البداية تيار معارض للاندفاعة الترامبية نحو الشرع ، يرى فيها مقامرة قصيرة النظر مع سلطة هشة، ذات جذور أيديولوجية غير قابلة للترويض.
هذا التيار لم يُهزم، بل صبر. وجاءت حادثة تدمر، بمقتل جنود أمريكيين ، لتمنحه زخماً إضافياً، ولتعيد إلى الواجهة السؤال الجوهري : هل يمكن الوثوق بشريك محلي لا تملك واشنطن قدرة حقيقية على ضبطه؟

رابعاً – وعلى الرغم من ذلك، لم يتراجع ترامب ، بعد مقتل الجنود الامريكيين في تدمر. ليس لأن الحادثة لم تكن خطيرة، بل لأن التراجع في منطق ترامب لا يُقرأ بوصفه تصحيحاً، بل هزيمة . الرئيس الأمريكي يتعامل مع السياسة الخارجية بوصفها امتداداً للصراع الداخلي. أي خطوة إلى الخلف تُمنح فوراً لخصومه في الداخل بوصفها اعترافاً بالفشل.
لذلك، يستمر في الخطاب ذاته، بينما تسمح المؤسسات، بهدوء، بتفريغه من مضمونه عبر الشروط ، والرقابة، والعقوبات القابلة للعودة ، ولو بشكل جزئي.

خامساً – التجربة الأمريكية في أفغانستان تمثل النموذج الأكثر وضوحاً لكل من يراهن على الوعود الأمريكية الخطابية. فعلى مدى عشرين عاماً، بُنيت شبكة واسعة من الحلفاء المحليين، وأُقنعوا بأن الشراكة مع واشنطن ضمانة أخلاقية واستراتيجية. لكن ما إن تغيّرت كلفة البقاء، حتى انهارت هذه السردية بالكامل ، والمشهد الذي علِق في الذاكرة العالمية أفغان يتشبثون بعجلات الطائرات الأمريكية في مطار كابول—لم يكن حادثاً عاطفياً، بل تلخيصاً بصرياً لعقيدة سياسية كاملة : الحليف المحلي أداة مؤقتة ، وعندما تنتهي وظيفته، يُترك لمصيره.

سادساً – في هذا السياق، تتحول مسألة حماية الأقليات إلى أداة قياس سياسية، لا إلى التزام أخلاقي. فمراقبة أوضاع المسيحيين والدروز والعلويين والأكراد ليست ضمانة حقوق، بقدر ما هي معيار قرار: متى يُسمح للسلطة بالاستمرار، ومتى يُعاد فرض العقوبات، أو يُفتح الباب لبدائل أخرى.
إنها إدارة من الخارج، دون سيادة حقيقية، ومساءلة بلا شراكة.

سابعاً – وهنا لا بد من توضيح جوهري: إن نقد المراهنة على أمريكا لا يعني الدعوة إلى القطيعة معها، ولا إنكار وزنها الدولي أو تأثيرها الحاسم. الولايات المتحدة قوة مركزية، وأي سلطة في دمشق لا تستطيع تجاهلها ، لكن الفرق بين السياسة والعطب السياسي هو التمييز بين علاقة مدروسة قائمة على المصالح، وبين رهان وجودي على الخارج بوصفه ضمانة للبقاء . القوة الحقيقية لا تُستمد من رضا واشنطن ، بل من الداخل : من شرعية سياسية ، وتماسك اجتماعي، وقدرة على إدارة التنوع دون قهر أو تمييز. الداخل وحده هو ورقة القوة التي تصمد عند تبدل المزاج الدولي.

ثامناً – ما تريده واشنطن من أحمد الشرع ليس شريكاً ولا حليفاً، بل سلطة وظيفية مؤقتة : تضبط المشهد، تمنع الانفجار الشامل، وتدير الملفات الأمنية بأقل كلفة. العلاقة التي بدأت سرية ثم تحولت إلى علنية بعد الوصول إلى دمشق هي علاقة استخدام لا ثقة.

محاولات الشرع الظهور بمظهر البراغماتي أمام الخارج ستصطدم حتماً بقاعدته المتشددة في الداخل، وستتحول التنازلات في السيادة والقرار الوطني إلى عبء سياسي لا يمكن تسويقه إلى ما لا نهاية. أي سلطة تتشدّد داخلياً، وتُقايض خارجياً، وتراكم ولاءها في الخارج على حساب عقدها الوطني، إنما تؤسس لأزمة بنيوية مؤجلة.

تاسعاً – الدليل العملي الأوضح على أن مرحلة “الاحتواء المشروط” دخلت طورها العقابي، يتمثل في القرار البريطاني بفرض عقوبات مباشرة على ثلاث تشكيلات عسكرية تابعة لوزارة الدفاع في حكومة الشرع : فرقة الحمزات، ولواء السلطان مراد، وفرقة العمشات، على خلفية تورطها في مذابح وانتهاكات جسيمة في الساحل السوري. صحيح أن العقوبات شملت أيضاً اسمين فرديين، هما مقداد فتيحة وغياث دلا، لكن جوهر القرار لم يكن شخصياً، بل بنيوياً، إذ استهدف وحدات عسكرية منظمة تُعد جزءاً من النواة التي يقوم عليها الجيش الذي يسعى الشرع إلى بنائه.

الأخطر من ذلك أن هذه التشكيلات ليست محلية خالصة، بل مرتبطة عضوياً بتركيا، ومندمجة فعلياً في منظومة النفوذ العسكري التركي. ما يعني أن العقوبات لا تطعن فقط في “سلوك” هذه الوحدات، بل في أهلية النموذج العسكري برمّته. الرسالة الغربية هنا واضحة: الجيش الذي يُبنى من ميليشيات ذات تاريخ دموي، وهوية أيديولوجية، وولاءات خارجية، لا يُنظر إليه كجيش وطني، بل كخطر مؤجل.

ويتقاطع هذا التطور مع معطى أكثر خطورة، تداولته مصادر أمريكية وأوروبية متعددة، مفاده أن الولايات المتحدة تطالب بإبعاد ما يقارب ٢٧ ألف عنصر من الميليشيات المرتبطة بالسلطة الحالية لأسباب أمنية. هذا الرقم لا يشير إلى حالات فردية، بل إلى خلل بنيوي في طبيعة القوة المسلحة التي تستند إليها سلطة الشرع. فواشنطن لا تطلب “إصلاحاً”، بل تفكيك كتلة عسكرية واسعة تُعد غير قابلة للضبط، ومخترقة أيديولوجياً.

سياسياً، يفتح هذا المسار الباب أمام فرضية إعادة هندسة المشهد العسكري من خارج السلطة القائمة، عبر صيغة مجلس عسكري أو إطار انتقالي لإعادة بناء جيش سوري جديد على أسس مهنية واحترافية، منفصلة عن الأيديولوجيا الدينية المتطرفة، وقادرة على تقديم نفسها كضامن وطني جامع لكل المكونات السورية.

لكن إن تحقق هذا السيناريو، فلن يكون انتصاراً للشرع، بل إدانة له، إذ إن المجالس العسكرية لا تُنشأ حين تنجح السلطات في احتكار العنف المشروع، بل حين تفشل، وتتحول قواتها المسلحة إلى عبء داخلي وخطر خارجي.

عاشرا” – وأخيرا” : التناقض الأمريكي في سوريا ليس خللاً عابراً، بل نمطاً ثابتاً : احتواء بلا ثقة ، دعم بلا التزام ، واستخدام بلا ضمانات. ما يجري اليوم لا يشير إلى تثبيت سلطة أحمد الشرع ، بل إلى اختبارها، واستنزافها، وربما تجاوزها عندما ترتفع كلفتها.

المراهنة على أمريكا وحدها ليست سياسة، بل وهم. والعلاقة معها، إن لم تُبنَ على قاعدة داخلية صلبة—جيش وطني مهني، عقد سياسي جامع، وإدارة عقلانية للتنوع—ستتحول من فرصة إلى فخ.
بيانات الكونغرس، وحظر السوريين، والعقوبات البريطانية، ومطلب إبعاد آلاف المقاتلين، كلها تقول الرسالة ذاتها: الخارج لا يبني دولاً، بل يدير أزمات. ومن يربط مصيره به، ويهمل الداخل، لا يُخدع، بل يخدع نفسه.

وكما قال المفكر الأمريكي هانس مورغنثاو، أحد مؤسسي الواقعية السياسية:
«السياسة الدولية لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل بتوازنات القوة والشرعية، ومن يفتقد إحداهما، يخسر الاثنتين معاً.»

شاهد أيضاً

توازن الردع تحت الاختبار: قراءة في تطورات الجبهات المفتوحة.

الإعلامية جمانة كرم عيادالخميس 4/6/2026 وضعية الحرب الحقيقية، كما وردت في مختلف وسائل الإعلام المعادي …