الدكتور حسن عاصي
رغم كل ما نعانيه اليوم من أزمات، فقد بات لنا ما يتيح لنا أن نتنفس، أن نبوح بما يختلج في صدورنا وأن نقولُ ونُعَبِّرَ بطلاقة عما يُؤْرِقُنا ويقلقنا وعما يَقُضُ مضاعجنا .
نقول ذلك أمام ما نقف علىه أيامٍ كانت تحاصر الآراء وتوأد الكلمات و تؤسرُ الأفكار، بأدلة عديدة و شواهد متعددة، واحد منها قصيدة نزار قباني ” مسافرون ” التي منعت من النشر حين ألقاها في مهرجان المربد الخامس في بغداد العام 1985.
أحدثت القصيدة حينها ضجة داخل الأوساط الأدبية لجرأتها، منعت من النشر وتم التعتيم والتشويش عليها، ومنعت من الصدورفي الصحف العراقية وقنوات الإعلام…
كانوا ينتظرون من نزار، كما يقول الراوي، كانوا ينتظرون قصيدة مدح على غرار الشعراء السابقين، فكانت قصيدته عكس ذلك، قصيدة تعبرعن مرارة الواقع الذي كان يعاني منه المواطن العربي .
*****
مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق..وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر
كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن
نحن جوارى القصر
يرسلوننا من حجرة لحجرة
من قبضة لقبضة
من مالك لمالك
ومن وثن إلى وثن
نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لـ ” طنجة ”
ومن طنجة الى عدن
نبحث عن قبيلة تقبلنا
نبحث عن ستارة تسترنا
وعن سكن
وحولنا أولادنا احدودبت ظهورهم وشاخوا
وهم يفتشون في المعاجم القديمة
عن جنة نظيرة
عن كذبة كبيرة… كبيرة
تدعى الوطن
أسماؤنا لا تشبه الأسماء
فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا
ولا الذين يشربون الدمع والشقاء
معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا
معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا
معتقلون داخل الحزن..وأحلى ما بنا أحزاننا
مراقبون نحن فى المقهى..وفى البيت
وفى أرحام أمهاتنا
لساننا..مقطوع
ورأسنا..مقطوع
وخبزنا مبلل بالخوف والدموع
إذا تَظَلَّمْنا إلى حامى الحمى قيل لنا : ممنـــوع
وإذا تَضَرَّعْنا إلى رب السما قيل لنا : ممنوع
وإن هتفنا..يا رسول الله كن فى عوننا
يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع
وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة الأخيرة
أو نكتب الوصية الأخيرة قبيل أن نموت شنقاً
غيروا الموضوع
يا وطنى المصلوب فوق حائط الكراهية
يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية
لا أحد من “مُضَرٍ.”.أو من ” بنى ثقيف ”
أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف
زجاجة من دمه و بَوْلِهِ الشريف
لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة
أهداك يوماً معطفاً أو قبعة
يا وطنى المكسور مثل عشبة الخريف
مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا
مهجرون من أمانينا وذكرياتنا
عيوننا تخاف من أصواتنا
حكامنا آلهة يجرى الدم الأزرق فى عروقهم
ونحن نسل الجارية
لا سادة الحجاز يعرفوننا..ولا رعاع البادية
ولا أبو الطيب يستضيفنا..ولا أبو العتاهية
إذا مضى طاغية
سَلَّمَنا لطاغية
مهاجرون نحن من مرافئ التعب
لا أحد يريدنا
من بحر بيروت إلى بحر العرب
لا الفاطميون..ولا القرامطة
ولا المماليك…ولا البرامكة
ولا الشياطين..ولا الملائكة
لا أحد يريدنا
لا أحد يقرؤنا
فى مدن الملح التى تذبح فى العام ملايين الكتب
لا أحد يقرؤنا
فى مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأدب
مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
مكومون داخل الأقفاص كالجرذان
لا مرفأ يقبلنا
لا حانة تقبلنا
كل الجوازات التى نحملها
أصدرها الشيطان
كل الكتابات التى نكتبها
لا تعجب السلطان
مسافرون خارج الزمان والمكان
مسافرون ضيعوا نقودهم.. وضيعوا متاعهم
ضيعوا أبناءهم.. وضيعوا أسماءهم.. وضيعوا إنتماءهم..
وضيعوا الإحساس بالأمان
فلا بنو ( … ) يعرفوننا.. ولا بنو قحطان
ولا بنو ربيعة.. ولا بنو شيبان
ولا بنو ” لينين ” يعرفوننا.. ولا بنو ‘ريجان’
يا وطنى.. كل العصافير لها منازل
إلا العصافير التى تحترف الحرية:
“فهى تموت خارج الأوطان”.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
