
عبد الغني طليس
يجب الاعتراف أولاً بأن كُتب المذكرات النابعة من تجربة شخصية، في السياسة العالمية والعربية، ضرورة فوق العادة لمَن يريد معرفة التاريخ المعاصر في أي بلد.
لكنْ يجب الاعتراف في الوقت نفسه، بأن كُتب مذكرات المسؤولين العرب، واللبنانيين منهم، يختلف مستوى الصدق الوثائقي فيها بين جيّد وما دون، أما الحقائق الناصعة فتبقى مدفونة لدى صاحبها !
والقاريء العربي يصدّق الكلام “الأجنبي” أكثر ويعتبره دقيقاً، رغم ما يكون فيه أحياناً من ترويج لروايات ملَفّقة.
فاروق الشرع، وزير الخارجية الأسبق في سوريا الأسد، أصدر كتابين، أحدهما عما بين ٢٠٠٠ و ٢٠١٥ والآخر صدر اليوم بعد نجاح الثورة في استلام السلطة. وما لم يقُله عن الرئيس حافظ الأسد في الكتاب الأول نتيجة وجود بشار في السلطة، يقوله الآن، بالفم الملآن بلا أي خشية من شيء.
أبرز ما “تذكّر” فاروق الشرع اليوم، أن حافظ الأسد كان أخطر من “هولاكو”. وحاول توصيف واقعه النفسي وشخصيّته مستخلصاً أنها كانت.. بأمراض عميقة منها النرجسية .. والإحادية و”أمراض أخرى” أسمع بها أنا للمرة الأولى.
حين ينتهي نظام بلدٍ بطريقة مأساوية وكارثية على البلد، بالثورة على النظام وبدفاع النظام عن نفسه، ويسقط قرابة مليون شخص، كيف يستحلي وزير خدَم في خارجية بلده حوالى رُبع قرن، في النظام البائد، وشارك عميقاً في مسؤوليات داخلية وخارجية، ومثّل ذروة رجال العهد، ونظّر لفكر البعث وأدواته، ووافق عليها، أن يكتب جزأين، من مذكراته، جزء خلال وجود خليفة النظام فتأتي الكتابة منتقاة، ومدروسة، وجزء ثانٍ ينطلق فيه صاحب الذكريات على أقصى هواه .. الجديد الذي يراعي نجاح الثورة ومعطياتها، ويتأقلم مع انتقاد العهدين: حافظ وبشار البائدين، وهو من “الأمناء” كما كان يوصف.
قد يكون ما كتبه فاروق الشرع في الجزء الثاني عن الأسدَين صحيحاً مئة في المئة، وتوثيقياً، وغاية في الصدق.. المتأخّر، لكنْ مَن سيصدّق الروايات فيه، ومَن سيقتنع أن الشرع الغارق في الحكم لخمسة وعشرين عاماً، وربما أكثر، وكان ممثلاً رفيعاً وفعالاً وصاحب حججٍ لنظام سوريا الاسد، وقفَ أمام المرآة الحقيقية وقال وكتبَ ببراءةٍ وشفافية ما قال وكتَب.. من دون الخوف مِن أن يُسأل: لماذا “صمدت” أنت في مسؤوليتك في الحكم فلم تستقِل، طالما أن الواقع كان كما تصفه؟
كتبتُ البارحة مقالة أشرتُ فيها إلى احتمال عودة العميد مناف مصطفى طلاس بناء على معلومات لديّ، يضاف إليها مقال “لوفيغارو ” الفرنسية، وأقل ردّ تلقيته من سوريين هو أنه ابن وزير أساسي في نظام حافظ الأسد، وضابط سابق في الحرس الجمهوري الذي شارك في قمع الثورة.. فعودته مرفوضة.
من “مذكراتي”: حين كان فاروق الشرع يزور لبنان مكلّفاً من حافظ الأسد بمشروعٍ ما لبلدنا، لم يكن لدي أدنى شك، من خلال تصاريحه ومراقبة تصرفاته، أنه هولاكو الثاني بعد اللواء غازي كنعان هولاكو الأول..
والآن يتبين لي من خلال الشرع نفسه أن هولاكو الحقيقي، الأخطر والأكبر، لا هو الأول ولا الثاني، بل الذي كان في قصر المهاجرين!
ويبدو أن هولاكو .. طاب له المقام ولا يريد مغادرة سوريا…
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net