المصطلحات المعلبة

 

الاستاذة رحاب هاني خطار

في زمن أصبحت فيه الكلمات الكبيرة طريقًا مختصرًا إلى “الهيبة الثقافية”، تحوّلت المعرفة إلى مجموعة مصطلحات معلبة تُستعمل عند الحاجة، ثم تختفي بلا أثر.

يكفي أن يقول أحدهم في النقاش،
“هنا مشكلة ميتافيزيقية”،
أو يتحدث عن “الوعي ما بعد الحداثة”،
أو يصف كل سلوك لا يعجبه بأنه “نرجسي”…

حتى يسكت من أمامه ويتراجع عن السؤال أو الاستفسار.
كأن اللغة لم تعد وسيلة للفهم، بل أداة لإبهار الآخرين وتجميد الحوار.

كثيرون اليوم لا يستخدمون هذه المصطلحات كمفاتيح للمعرفة، بل كزينة لغوية.
– “الميتافيزيقيا” تُستعمل أحيانًا مثل كلمة سحرية، دون فهم أن أصلها محاولة الإنسان لفهم ما وراء الظاهر وما لا تفسّره الحواس.
-“الحداثة” تُرمى على كل فكرة جديدة أو جريئة، رغم أنها تاريخ طويل من الصراع مع التقليد، ومن أسئلة الثورة على المعرفة القديمة.
– “النرجسية” انتقلت من مفهومٍ نفسي معقّد إلى وصف سهل لأي شخص لا يعجبنا أو لا يشبهنا.

بهذا الشكل، تصبح المصطلحات حجابًا بدل أن تكون نافذة…
يختبئ خلفها المتكلم، ويخشى السؤال البسيط:
“ماذا تعني؟”
لأن الجواب قد يكشف هشاشة ما وراء الكلمات.

على الجانب الآخر، هناك مثقف حقيقي. لا يتحدث ليُغلق الحوار، بل ليفتحه.
إذا ذكر “الميتافيزيقيا”، سيقود القارئ إلى معناها: أسئلة الإنسان الكبرى عن الروح، الزمن، الوجود..

وإذا تحدث عن “الحداثة”، سيضعها في سياقها: صدمة العالم بعد الثورة الصناعية، وتغيّر النظرة إلى الإنسان، والفن، والمجتمع.
أما “النرجسية”، فسيشرحها في جذورها النفسية، كيف تنشأ، وكيف تتحول من دفاعٍ عن الذات إلى نمط يُفسد العلاقات.

الفرق بين الاثنين واضح وبسيط,
مستهلك المصطلح يكرّر، والمثقف يفكّر.
الأول يستخدم الكلمة ليبدو أكبر من الفكرة،
والثاني يصنع الفكرة ليجعل الكلمة أصغر… وأكثر وضوحًا.

اليوم، نحن بحاجة إلى ثقافةٍ لا تخاف من البساطة.
ثقافة تشجّع على السؤال لا على الصمت.

تتيح لكل قارئ أن يقول: “لم أفهم… اشرح لي” دون أن يشعر بالخجل أو النقص.

المعرفة الحقيقية لا تولد من الكلمات المبرمجة، بل من الأسئلة الصادقة.
والمصطلح حين يُفهم، يصبح جسرًا بين العقول… لا حاجزًا بينها.

#

شاهد أيضاً

توازن الردع تحت الاختبار: قراءة في تطورات الجبهات المفتوحة.

الإعلامية جمانة كرم عيادالخميس 4/6/2026 وضعية الحرب الحقيقية، كما وردت في مختلف وسائل الإعلام المعادي …