كشفت مقالات وتحقيقات استقصائية عن «التهجير الناعم» الذي تمارسه إسرائيل بحق الغزيين عبر جمعية «المجد أوروبا». نظّمت الأخيرة رحلات مشبوهة لغزيّين بالتنسيق مع جهات إسرائيلية بهدف إرساء واقع ديموغرافي جديد
لم تتغيّر أهداف إسرائيل في إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه بعد اتفاق إطلاق النار، إذ إنّ الكيان يسعى بشكل متصاعد في الآونة الأخيرة إلى تهجير الغزيّين بطريقة «ناعمة».
ومع خروج الموضوع إلى العلن في الأيام مع رصد عمليات إخراج جماعية للفلسطينيين عبر رحلات مُنظّمة، تبيّن أنّ الجهة التي تقف خلفها هي جمعية مشبوهة تُدعى «المجد أوروبا»، وهي تُقدّم نفسها بوصفها منظمةً إنسانية تُعنى بـ«إنقاذ المجتمعات المسلمة في مناطق الحروب».
غير أنّ تحقيقات صحافية موسّعة، تكشف شبكة علاقات معقّدة خلف هذا النشاط وتثير شبهات جدية عن دور هذه الجمعية في تسهيل التهجير الناعم للفلسطينيين من قطاع غزة.
شبكة معقدة خلف واجهة إنسانية
تُظهر المعلومات الواردة في تقرير لصحيفة «هآرتس» أنّ الجمعية يقودها شخص يُدعى تومر يانار ليند، وهو إسرائيلي يحمل الجنسية الإستونية، ظهر اسمه في وثائق ومراسلات مرتبطة بعمليات سفر فلسطينيين من غزة إلى دول متعددة. وتفيد الصحيفة بأنّ مكتب «الهجرة الطوعية» داخل وزارة «الجيش» الإسرائيلية، وهو مكتب أنشأته الحكومة في آذار (مارس) الماضي لتسهيل خروج الفلسطينيين بصورة دائمة، أحال الجمعية إلى «منسّق أعمال الحكومة في المناطق» (COGAT) لتنسيق مغادرة مجموعات من سكان القطاع.
تلك الصلة الرسمية تُعد أحد أهم المؤشرات على الخلفية الحقيقية لأعمال «المجد أوروبا»، خصوصاً أنّ تحقيق «يورونيوز» يكشف تواصلاً حصرياً مع الفلسطينيين عبر رقم هاتف إسرائيلي، إضافة إلى فرض دفع مبالغ تُراوح بين 1500 و2700 دولار عن كل شخص مقابل تسهيل السفر.
رحلات غامضة ووجهات مجهولة
أكثر ما أثار الريبة في الأسابيع الأخيرة الرحلتان اللتان انطلقتا من مطار رامون قرب إيلات، وهبطت إحداهما في نيروبي قبل انتقال الركاب إلى طائرة ثانية نحو جوهانسبرغ، وفقاً لما ذكرته «يورونيوز» و«فرانس 24». وصلت إلى جنوب أفريقيا طائرة تقل 153 فلسطينياً من غزة، وبعضهم لم يكن يعلم الوجهة النهائية قبل الإقلاع.
من جانبهم، عبّر المسؤولون في جنوب أفريقيا عن دهشتهم إزاء الواقعة. فقد أكّد الرئيس سيريل رامافوزا أنّ السلطات «تلقّت الطائرة فجأة» وأنّ الركاب وصلوا من منطقة «مزّقتها الحروب»، من دون إبلاغ مسبق عن هوية الجهة المسؤولة عن الرحلة. وصرّحت السفارة الفلسطينية في بريتوريا أنّ «المجد أوروبا» هيئة غير مسجّلة، استغلّت الظروف الإنسانية القاسية وجمعت أموالاً تحت ذرائع مضلّلة، محذّرة من شبكات «الإتجار بالبشر» التي تستغل حالة اليأس لدى الفلسطينيين.
موقع الجمعية الإلكتروني انطلق في شباط الماضي
في هذا السياق أيضاً، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أنّ الجمعية نظّمت رحلات سرّية حملت مئات الفلسطينيين من غزة إلى جنوب أفريقيا، مقابل ما يقارب 2000 دولار للفرد. ووضع تقرير الصحيفة الأميركية الرحلات في سياق أوسع من الضغوط الإسرائيلية لإعادة توطين الفلسطينيين خارج غزة، وهي سياسة تتقاطع مع وثائق وتسريبات إسرائيلية حول البحث عن دول مستعدة لاستقبال أعداد من سكّان القطاع.
موقع إلكتروني هشّ وشبهات حول الغطاء الإنساني
من جانب آخر، يقدّم تحقيق «هآرتس» طبقة إضافية من الغموض، إذ يذكر أنّ الموقع الإلكتروني للجمعية تأسّس في شباط (فبراير) الماضي فقط، ويحتوي على أخطاء لغوية وادعاءات حول نشاط في بلدان عدّة مشكوك فيها. ويستخدم الموقع صوراً أرشيفية تحمل شعار شركة إستونية تدعى Talent Globus، لا تُظهر أي دليل واضح على ارتباطها بعمل إنساني فعلي. أما روابط التواصل الاجتماعي فغير فعّالة، في وقت تفتقد الجمعية أي سجل رسمي في ألمانيا أو القدس الشرقية، رغم ادعائها التسجيل في هاتين المنطقتين.
«سمسار الحريّة» تحت المجهر
على صعيد آخر، طاولت الاتهامات «الناشط» الفلسطيني معتز عزايزة، إذ أشارت تقارير على وسائل التواصل الاجتماعي إلى ارتباطه بالجمعية عبر مهمات «دعائية» وميدانية لتشجيع الفلسطينيين على المغادرة. ورغم نفي عزايزة الاتهامات، غير أنّ أنشطته السابقة في تسويق إعلانات لبيع جوازات سفر لإحدى الدول التي أثارت غضباً واسعاً بين الغزيّين، تتقاطع مع نشاط الجمعية المشبوه، ما دفع بعض الأوساط الفلسطينية إلى التشكيك في دوره. ورغم غياب أدلّة قاطعة تدينه، إلا أنّ وجوده داخل دائرة الاشتباه تعكس انعدام ثقة الفلسطينيين بعزايزة الذي بدّل مواقفه بشكل دراماتيكي منذ خروجه من قطاع غزة.
إعادة هندسة ديموغرافية
يتقاطع نشاط «المجد أوروبا» مع مسار سياسي علني داخل الحكومة الإسرائيلية، يهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو «الهجرة الطوعية». في آب (أغسطس) الماضي، أشارت القناة 12 العبرية إلى أنّ إسرائيل تجري محادثات مع خمس دول، بينها إندونيسيا وأوغندا وجنوب السودان، لاستيعاب فلسطينيين يرغبون في مغادرة غزة. ويأتي ذلك بالتزامن مع تصريحات أميركية سابقة عن مشاريع لتحويل غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، وهو طرح لا يمكن تحقيقه إلا بتقليص عدد سكان القطاع.
تكشف سلسلة التحقيقات أنّ «المجد أوروبا» ليست مجرد جمعية بلا سجل واضح، بل جزء من منظومة تُسهّل خروج الفلسطينيين من القطاع في لحظة حصار ومعاناة. وبينما يعاني الفلسطينيون من جروح الحرب وتجويع ممنهج، تتحرّك جهات خارجية لفتح مسارات «نجاة» ملتبسة، قد تُفضي في النهاية إلى إعادة هندسة ديموغرافية تخدم مصالح الاحتلال.
في ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة إلى تعزيز الوعي المجتمعي، ومواجهة أي مشاريع تهجير ناعمة تُغلّف بخطابات إنسانية، لكنها تخدم أهدافاً أبعد ما تكون عن الإنسانية.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net

