الثنائي الشيعي خسر ورقة استقالة وزرائه؟

بقلم ناجي علي أمهز

يتلقى الثنائي الشيعي رسائل قاسية، ليس بسبب المتغيرات الاقليمية فحسب، بل في السياسة والإعلام التي باتت تشكل التحدي الأكبر. إن المعركة الحقيقية اليوم تتعلق بوجود الطائفة الشيعية ودورها، والإعلام الذي يُفترض أن يكون اليوم سلاحها، تحول في أحيان كثيرة إلى عبء دمر أهم أوراق ضغطها في غضون ساعات.

تابع الجميع كيف تناول الإعلام المحسوب على “الثنائي الشيعي” ملف استقالة وزرائه من الحكومة حيث تم التلويح بأن طرح موضوع انتخاب المغتربين لـ 128 نائبًا سيدفع وزراء “الثنائي” إلى الاستقالة، ومع صعوبة بقاء الوزير الشيعي الخامس بمفرده، ستفقد الحكومة شرعيتها اعتقد هذا الإعلام أنه بتسويقه لهذه الفكرة بقوة سيضع الحكومة أمام خيار صعب، ويجبرها على التراجع عن تعديل قانون اقتراع المغتربين.

لكن ما لم يحسب له هذا الإعلام حسابًا هو أن الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية تترصدان الأخطاء السياسية والإعلامية كما تترصدان التحركات العسكرية. لقد انتظرتا حتى وصل إعلام المحور إلى ذروة حديثه عن الاستقالة، ومع تحديد موعد جلسة مجلس الوزراء، كشفت إسرائيل عن ورقتها المضادة.

تزامن الإعلان الإسرائيلي عن قصف مواقع محددة في الجنوب مع توقيت انعقاد مجلس الوزراء، ليوجه رسالة واضحة إلى “الثنائي الشيعي”: “تفضلوا، استقيلوا إن استطعتم”. هنا، وجد “الثنائي” نفسه بين حجري الرحى؛ فإن استقال بينما إسرائيل تقصف الجنوب، سيضع نفسه في مواجهة مع الدولة والحكومة ونصف الشعب اللبناني، وسيخلق أزمة سياسية خانقة تمنح إسرائيل ذرائع لتوسيع عدوانها. وإن بقي في الحكومة، فإنه سيمتص آثار الضربة الإسرائيلية ويتجنب إثارة الجميع ضده.

كان القرار هو البقاء في الحكومة، مما يعني أن ورقة التهديد بالاستقالة لم يعد بالإمكان استخدامها. الذي أحرق هذه الورقة هو الإعلام الذي شهر بها، في حين أن مناورة سياسية حساسة كهذه يجب أن تدار في الغرف المغلقة ومع أشخاص محددين، حتى إذا جاء توقيت استخدامها غير مناسب، يمكن للثنائي التملص منها دون اعتبارها “خطوة سياسية خاطئة”.

لو أردنا إحصاء الأخطاء الإعلامية اليومية لأُصبنا بالجنون، خاصة في زمن يجب أن يكون فيه الإعلام هو السلاح الأدق والأكثر فاعلية للطائفة الشيعية.

تأكيدًا على أزمة الإعلام، وصلتني مشاهد من مقابلة على قناة “المشهد” التي يديرها الإعلامي طوني خليفة، جمعت بين الدكتور علي مطر والدكتور مكرم رباح. استوقفني في البداية مقطع ظهر فيه الدكتور مطر وهو يرد على رباح بأسلوب لم أعهده فيه، فقد قرأت لهذا الشاب مقالات واعدة في السياسة، رغم بروز الجانب الديني فيها. فالسياسي الشيعي غالبًا ما يُقحم الأدبيات الدينية في خطابه، مما يجعل أطروحاته مثالية، بينما السياسة هي عالم المصالح المتقاطعة والمتضاربة.

بعد مشاهدة المقابلة كاملة، وجدت أن الدكتور مطر قدم في بدايتها وصفًا دقيقًا ومتشعب الأبعاد لعملية إسناد غزة، ودور حزب الله كمقاومة في النسيج اللبناني. يُستنتج من حديثه أن حزب الله كان يدرك تمامًا حجم الأخطار المترتبة على قراره، لكن الجانب الإنساني طغى على الحسابات السياسية. لقد كان يعلم ما سيتعرض له، لكنه لم يكن يستطيع ترك أهل غزة يُبادون دون أن يحرك ساكنًا، حتى لو دفع حزب الله والشيعة ثمنًا باهظًا. هذا الموقف يخلّد البعد الإنساني للفكر الشيعي، بعيدًا عن حسابات الربح والخسارة.

هذه هي السردية التي يجب أن يتبناها إعلام المقاومة، لا جوانب “البهورة” ورفع السقف والحديث عن “السحق والمحق وإزالة إسرائيل”، التي قدمها إعلام المحور بأبشع الصور.

في المقابل، نجح الدكتور مكرم رباح في استفزاز الدكتور مطر بكلمات قد تكون مقبولة في العرف السياسي. ورغم أن رباح بدا خاسرًا منذ الجولة الأولى، بضم يديه إلى صدره كمن يحمي نفسه من بلاغة خصمه، واستخدامه لأفكار بالية مثل اتهام حزب الله بأنه “أراد إقامة دولة إسلامية” – وكأن حلفاء رباح من “جبهة النصرة الحكومة السورية الحالية” انشئوا دولة أفلاطون الفاضلة في سوريا – ولو سيطر الاسلاميين في لبنان او مصر سينشئون دولة ميشال شيحا ونجيب محفوظ.

إلا أنه استغل نقطة محورية.
هذه النقطة كانت حديثه عن تورط حزب الله بقتل الأطفال في سوريا بـ “البراميل المتفجرة”. وهذه ليست حقيقة فعلية، لكنها الصورة التي رسختها قناة “العالم” الإيرانية والفضائيات السورية اضافة الى الميادين، عندما كان مراسلون محسوبون على محور المقاومة وبغالبيتهم لبنانييون يظهرون وهم يتوعدون ويضحكون بجانب الجيش السوري وهو يلقي البراميل. أحدهم، وهو كان “أبو العرّيف” في إعلام المحور، وصف أهل إدلب بـ”النفايات التي يجب إعادة تدويرها”. هذه الصورة البشعة طغت على حقيقة أن المقاتلين السوريين الذين كانوا يفضلون تسليم أنفسهم لحزب الله الذي كان يؤمن لهم ممرات آمنة وانسانية، على تسليم أنفسهم للجيش السوري.

ماذا عسانا نقول إلا “الله لا يسامح هذا الإعلام”، الذي ضيّع تضحيات أبطال الطائفة الشيعية، القتالية والإنسانية معًا، وأهدر الفرص السياسية حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. أما اتهام رباح لحزب الله باغتيال معارضيه دون دليل، فهو منطق يمكن بموجبه اتهام أي دولة بوفاة أي معارض لها، حتى لو كان في حادث سير.

في النهاية، بعد مشاهدة الدكتور رباح والاستماع لجوقة من يُعرفون بـ”المعارضين الشيعة”، ينطبق عليهم المثل القائل: “من قلة السياسيين اسمينا “ابو كلبجة” “بشارلوك هولمز”.

شاهد أيضاً

مع احترامي للنائب الدكتور علي المقداد

✍️ علي خيرالله شريف نحن لا نخون أحداً يا حضرة النائب، ولكن اسأل جوزاف عون …