الاحتفالية المهيبة التى أقامتها مصر كلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، والتى حاولت محاكاة الاحتفالية الرسمية بافتتاح «المتحف المصرى الكبير» فى روعتها، أكدت الكثير من المعانى التى يأتى فى مقدمتها أن هذا الشعب المصرى الأصيل عاشق لوطنه، إلى حدود الجنون، الذى يتجاوز كل حدود الإبهار، وأنه من أجل هذا «العشق التاريخى» للوطن على استعداد كامل أن يعبر فوق كل جراحاته وآلامه، كى يحقق لمصر كل ما تستحقه من مكانة وريادة. كثيرون ممن احتفلوا بمصر فى الشوارع والميادين، فى المدن والقرى بكل المحافظات، لم تكن لديهم المعلومات الكافية عن تاريخ بلدهم، لم تكن لديهم معرفة واضحة لسؤال: من يكونون؟ ما هى مصر هذه؟ لم يعرفوا أنها أول دولة فى التاريخ، وأنها أول دولة عرفت «التوحيد بالإله الواحد» منذ النبى إدريس، الذى هو أول الأنبياء بعد آدم عليه السلام وقبل نوح عليه السلام. كما أكدت هذه الاحتفالية التى لم تصورها عدسات المصورين ومحطات التليفزيون المصرية والعالمية، وأعنى بها احتفالية الشعب التى واكبت وتزامنت مع الاحتفالية الرسمية، أن الشعب وهو منبهر بحضارته القديمة متطلع ليؤسس لحضارة جديدة تواكب حضارته التاريخية القديمة، وأن يعيد لمصر مجدها وعزتها وكرامتها. هذه هى الحقيقة الأهم، والدرس الأهم. إن أعظم ما قدمه «المتحف المصرى الكبير»، وما يحتويه من كنوز أثرية، واحتفاليته الرائعة أنها «كشفت الغطاء» للشعب كى يعرف من هو ومن يكون، أو بتحديد أكثر ما الذى يجب أن يكون.
بالمتحف المصرى الكبير لم تعد الآثار المصرية مجرد «هياكل صخرية صامتة» بل إنها بدأت تنطق وتتكلم، وتكشف الأسرار والمعارف الدينية والفلسفية والعلمية الهندسية منها والفلكية والطبية والصيدلية، وغيرها من إعجازات العقل المصرى. وهذه فرصة لإعادة كتابة أصول الحضارة المصرية، وإعادة ترجمة النصوص المكتوبة والأسرار الخفية إلى لغتنا العربية وإلى لغات العالم. وإذا كانت الحضارة الإغريقية (اليونانية) قد نقلت أسرار الحضارة المصرية ومعارفها العلمية والفلسفية إلى الحضارة الغربية، وإذا كان «علم المصريات» بات أحد أهم العلوم فى الغرب، فلماذا لا يكون هكذا على المستويين المصرى والعربى؟.
أهمية هذا المتحف العظيم أنه يمكن أن يؤسس لبناء أكاديمية علمية مصرية لـ «علم المصريات»، ومنه يتم نقل المعارف إلى الجامعات والمعاهد العليا العلمية فى مصر والعالم العربى، بل وكل العالم. وهنا يجب أن نلتقى كمصريين بكل مكوناتنا الفكرية والعلمية على هذا المعنى الذى جرى كشف الغطاء عنه باستنطاق الأحجار، لتروى قصتها وتكشف عن كنوزها.
مهم جدًا أن تكون «السياحة المصرية» أحد أهم استهدافات الحكومة المصرية، ورجال الأعمال المصريين من وراء افتتاح هذا الصرح الحضارى العظيم، لكن الأهم أو الأكثر أهمية، هو أن يكون افتتاح هذا المتحف العظيم دافعًا لنا كمصريين، لإعادة اكتشاف مكونات حضارتنا، فالأهرام وأبو الهول والمعابد وكنوزها ومحتوياتها، ليست أحجارًا وتماثيل ونقوشا مبهرة فحسب، ولكنها كلها مجرد «واجهة» لحضارة مفعمة بالقيم والمبادئ والمعانى، التى يجب أن نعيد اكتشافها ومعرفتها، والأهم أن نصنع منها حضارتنا المأمولة التى هى أهم ما حفز جموع المصريين للاحتفال بالمتحف المصرى الكبير.
فى دراستنا مادة «تطور الفكر السياسى»، وكما لاحظنا فى معظم مؤلفات الفكر السياسى والفلسفة السياسية، أن البداية كانت دائمًا بالفكر السياسى والفلسفة السياسية الإغريقية (اليونانية)، خاصة عن العظماء الكبار الثلاثة: سقراط وأفلاطون وأرسطو، ثم الانتقال إلى دراسة الفكر السياسى فى الحضارة الغربية، والتعمق فى أفكار كبار فلاسفة الغرب إلى أن نصل إلى «الفكر الماركسى» وصراعه مع الفكر الرأسمالى. قليل من المؤلفات اهتم بدراسة الفكر السياسى الإسلامى أو كبار المفكرين والفلاسفة فى الحضارة العربية الإسلامية، لكن القليل جداً ما اهتم بدراسة الفكر السياسى فى الحضارة المصرية القديمة، التى تعامل معها الكتاب على أنها «حضارة خلدت الموت»، ولم تترك آثارها فى الحياة والفكر والفلسفة، ولم نجد إشارات لفكر سياسى عند قدماء المصريين إلا «قصة الفلاح المصرى الفصيح»، لسبب أساسى أنهم تعاملوا مع معجزة بناء الأهرام، باعتبارها عنوانا لـ «حكم استبدادى» اعتمد على «السخرة» فى نقل الأحجار الضخمة لبناء الأهرامات والمعابد، ولم يهتم الكثيرون بالعبقرية المصرية التى بنت تلك الأهرامات وأسرارها الكثيرة التى مازالت خفية.
الآن، وبعد «كشف الغطاء» عن «كنوز حضارتنا» يجب أن نتجاوز مرحلة الانبهار البصرى بعظمة الأهرامات والتماثيل، وأن نتعمق فى دراسات العلوم والأفكار الهائلة التى تقف خلف تلك «الصخور» ومنها ننطلق إلى بناء حضارتنا الجديدة، وأن نعيد مصر قوة ودولة جديرة بالقيادة والريادة، وهذا لن يكون فقط بالارتكان إلى الماضى وعظمته بقدر ما يرتكن إلى الحاضر وجدارته وإلى المستقبل وما يفرضه علينا من مسئوليات وتحديات.
أولى هذه المسئوليات هى بناء مشروع وطنى مصرى يملك من مصادر القوة والقدرات، ما يجعل مصر قوة لها كلمتها ووزنها الإقليمى والدولى. ثانية هذه المسئوليات أن نجعل هذا المشروع الوطنى المصرى قاعدة تأسيس لـ «مشروع قومى عربى»، يعيد للوطن العربى تكامله ووحدته، وأن يجعله قادرًا على تحقيق التوازن الإقليمى مع القوى الإقليمية الكبرى فى إقليمنا الواسع، أى الشرق الأوسط. ثالثة هذه المسئوليات، جعل هذا المشروع القومى العربى محفزًا لدور جوارنا الإقليمى الحضارى «إيران وتركيا» لتأسيس مشروع تكامل إقليمى، قادر على إعادة ضبط الانفلات الإسرائيلى المدعوم أمريكيًا.
الانخراط المصرى الجمعى (الشعب والقيادات) فى إنجاز هذه المستويات الثلاثة من المهام: المشروع الوطنى المصرى، والمشروع القومى العربى، ومشروع التكامل الإقليمى، سيكون أفضل استجابة لكل هذا الاندفاع الشعبى باحتفالية افتتاح المتحف الكبير، لاستعادة روح الحضارة المصرية القديمة، واستعادة المجد والمكانة المصرية، وبذلك سيكون فى مقدورنا «بناء فصل جديد من تاريخ الحاضر والمستقبل».
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
