عرفت أنّه أصيب في “حادثة البيجر”، ولڪن لم أوفَّق للاتصال به والاطمئنان على حاله، ولعلّ هذا بسبب بُعد المسافة وطول مدّة انقطاع العلاقة، بالإضافة إلى خجلي على المستوى الشخصي من الحديث مع جرحى البيجر.
ولكن بعد فترة تلقّيت رسالةً من رقم غريب، جاء فيها: “سلام حبيبي، كيفك؟ إن شاء الله بخير. معك هادي حامد.”
بعد السلام والسؤال عن الأحوال، بادرني بالسؤال: “وين بقدر لاقي مؤلفات الشيخ اليزدي pdf؟”
لم أكن أعلم أنّه مهتمّ بالكتب والمطالعة وفكر الشيخ اليزدي، كما استغربت بيني وبين نفسي: ما الذي يريده جريح مُصاب في عينيه بكتب الشيخ اليزدي؟؟ فنحن نعاني مع كثير من شبابنا “المبصرين” كي يطالعوا الصفحة والصفحتين!!
(لعلّي حينها غفلت عن المعنى الحقيقي للبصر، رغم أنّي بقيت لأشهر أترجم كتاب “جلاء البصيرة”!)
وزاد استغرابي أكثر حينما أخبرني أنه لا يبصر إلا بنسبة ٥٪، ولذلك يريد تحويل هذه الكتب لكتب مسموعة حتى يستفيد منها.
وعدته حينها أن أؤمّن له ما أستطيع من كتب الشيخ بصيغة pdf.
لاحقًا عرفت من بعض المقرّبين أنّه بعد إصابته أصبح منكبًّا على استماع الدروس والكتب الصوتيّة، بل بات يكتب بنفسه بعض الأبحاث أيضًا. وقد أرسل لي ذات يوم بحثًا أعدّه بنفسه، يرتبط بالتنمية الإسلامية الأصيلة، وطلب منّي ملاحظات، وقال: “إذا في ملاحظات، كلّني سمع.” وأضاف: “عم سلّي نفسي هيك بأغلب الوقت.”
وبعد مدّة أرسل لي تسجيلات لدورة يستمع إليها حول (علم الكلام الجديد).
نموذج إخواننا الجرحى يرفع الرأس ويستحق أن نسلّط الضوء عليه.
هادي حامد، الزهرة التي فاح عبيرها أكثر بعد أن قطف الله يدها وعينها.
الشاب الذي لم يُعقه فقدان البصر المادّي عن طلب البصيرة المعنويّة واكتساب المعرفة: “يَا كُمَيْلُ مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلاَّ وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ.”
الشاب الذي لم يترك الميدان رغم الجراح وضعف الحيلة والبدن: “الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ.”
كان من ضمن الرسائل التي وصلتي منه قبل أشهر قليلة: “العمل اللي عم تقوم فيه عنجد بكبّر القلب، أنا متابعك من أوّل ما سافرت وعنجد رفعت راسنا. هذا كلام من القلب، الله يقوّيك ويمدّك.”
حينها أجبته: “أنا صدقًا ولا شي، هذه حقيقة، إنتو الأساس.”
فكان جوابه: “إن شاء الله منكمّل بعض يا عزيزي، منّا نعكّز على بعض منوصل بإذن الله.”

الآن وصل هادي، هنيئًا له، ولكن يجب أن نقول لهادي وإخوته: “حقًا نحن لا شيء، أنتم الأساس. ومش نحن اللي منكبّر القلب ومنرفع الراس، إنتو اللي بتكبّروا القلب وبترفوا الراس. ونحنا ما منكمّل بعض، انتو اللي بتكمّلونا، ونحن أقل بكتير من انّو نكمّلكم.”
«الفاتحة لروح السعيد هادي وإخوته🤲🏻❤️.
✍🏻صديق الشهيد علي الهادي مشلب ..
•
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
