من التلعثم إلى العالمية: رحلة وحيد جلال الساحلي

 

لا تولد الحكايات العظيمة كاملة، بل تتشكل من جراح صغيرة، وهزائم لم نعلنها، وخوف تعلمنا كيف نحوله إلى قوة هكذا بدأت حكاية الكاتب اللبناني وحيد جلال الساحلي؛ طفل يتهجّى الحروف بصعوبة، يقف مرتبكًا أمام جملة واحدة، ثم يكبر ليصبح واحدًا من الأسماء التي تتصدر المشهد الأدبي في لبنان وخارجه، ويُقرأ قلمه على منابر تلفزيونية وصحف عربية، وتجد كتبه صدى واسعًا بين القرّاء.

كان التلعثم أول المعارك التي واجهها الساحلي لم يكن مجرد عارض لغوي، بل جدارًا نفسيًا حاول أن يقيده داخل الصمت لكنّه، بدلًا من أن يختبئ خلف ضعفه، جعل من الكتابة صوته البديل خطّ أولى جمله المرتعشة على دفاتر المدرسة، ومن هناك اكتشف أن الحرف لا يتلعثم، وأن الورق لا يسخر من أحد، فبدأت رحلة طويلة من المصالحة مع الذات.

ومع مرور السنوات، تحوّلت الكتابة إلى وطن يلوذ به صقل موهبته بقراءة عمالقة الأدب العربي، واتخذ من جبران خليل جبران معلمًا روحيًا، ومن تمرد الكلمة نهجًا لا يحيد عنه لم يكن هدفه كتابة روايات وحسب، بل إعادة بناء الروح الإنسانية داخل كل قصة.

انفجرت موهبته على الساحة مع إصدار كتابه “الروايات المفقودة”، الذي طرح فيه حكايات إنسانية مؤثرة، ثم جاء كتابه الأكثر جدلًا وانتشارًا “تمرد أنثى” ليؤكد أنه صوت المرأة التي قاومت العالم كي تُسمع. في هذا الكتاب تحديدًا، ظهر بوضوح الجانب الثائر في كتابته؛ ذلك الشغف بالعدالة، والرغبة في تحرير المرأة من القيود الاجتماعية والنفسية.

تصاعدت شهرة الساحلي سريعًا، وبدأ اسمه يطل على شاشات عربية ولبنانية، يتحدث بثقة عن الأدب والحياة والتمرّد الجميل أصبح نموذجًا حيًا على أن الإعاقة ليست نهاية، وأن الخجل ليس ضعفًا، وأن الصعوبات قد تكون بوابة إلى نجومية غير متوقعة.

رحلة وحيد جلال الساحلي ليست مجرد انتقال من التلعثم إلى الطلاقة، بل من الخوف إلى الجرأة، ومن الصمت إلى العالمية إنها رسالة لكل شاب يشعر بأن صوته مكسور: إن كنت تخشى الكلام، اكتب وإن كنت تخاف أن تُرى، دع العالم يراك من خلال حروفك.

هكذا انتقل الطفل الصغير الذي كان يتهرب من قراءة الدرس بصوت عالٍ، إلى كاتبٍ يقرأه العالم.

شاهد أيضاً

بوابة أمل: كيف نحمي أنفسنا من سرطان القولون

شمسان اليفاعي الصحة نعمة عظيمة من نعم الله علينا، لا يعرف قدرها إلا من فقدها. …