
شربل الغاوي
مخرج – صحافي وناقد سينمائي
لم يكن صوته مجرّد نبرةٍ تُذاع، كان ضوءًا يتعلّم الكلام.
كأنّ العربية انتخبته مؤذّنًا لجمالها، وكأنّ الميكروفون كان يعرف أنّ خلف المخارج قلبًا يُرتِّل لا لسانًا يُملي.
لم يرحل خبرًا على شريطٍ بارد، بل وجعًا دافئًا يسري في عروق من أحبّوه، نزفًا مهذّبًا يُذاع مدى العمر.
في زمنٍ تزمجرُ فيه الشاشات، ظلّ هو الهمسُ الشريف، يذكّر أنّ الإعلام ضميرٌ قبل أن يكون منبرًا، وأنّ اللغة وطنٌ يُسكننا قبل أن نسكنه.
كان إذا ألقى الجملة، ألقى معها سلامًا على وطنٍ مُرهَق، يُسدِل على الفصحى وشاحَ شرفٍ ويمشي بها بين الناس كمن يحمل أمانةً لا لقبًا.
لم يكن رجعَ صدى، بل ذاكرةً تصوغ الأجيال على النقاء.
علّمهم أنّ الإلقاء صلاة، وأنّ الحرفَ إنسانٌ إذا أُحسنَ إليه أنصت.
كان يُرمّم كسورَ النُّطق كما يرمّم أبٌ قلبَ طفلٍ بالبِرّ، ويغسلُ الكلمة من غبارِ الابتذال حتى تعودَ إلى عرشها تاجًا لا بضاعة.
وحين اشتدّ عليه البلاء، صار المرضُ تلميذًا عند صبره.
قال للوجع، لن تُطفئَ صوتًا وقوده الإيمان.
ابتسم كي لا يخافوا، وتجلّد كي لا يُقال بطلٌ متعالٍ، بل إنسانٌ أتقنَ الكرامة وهو يمرّ بين السهم والريح.
اليوم، لا تبكيه كاميرا فقدت اتّزانَ ضوئها فحسب، بل تبكيه العربية نفسها، لا بوصفها نحوًا وصرفًا، بل روحًا تعرف من كان يَحرسُ نقاءها.
تبكيه نشراتٌ فقدت انضباطَها حين خلا مقامُ الصوت من مؤدّيه، ويبكيه تلامذةٌ ذاقوا عنده طعمَ جملةٍ مُهذَّبةٍ تخرج من القلب فتدخل القلوب.
تبكيه الشاشاتُ التي اعتادت أن ترى معه أوضحَ صورِها، وتبكيه بيروتُ التي سمعتْ يومًا نشرةً منه وسمّتْها صلاة.
يا بسام، بعدك صار الصمتُ أخشنَ من العتمة،
صار الهواءُ يتلعثمُ وهو يناديك،
وصارت الحروفُ يتيمةً تبحث عن كفٍّ تعيد تهذيبَها، وعن صدرٍ تُسندُ عليه مخارجَها.
كنتَ تُرَبّي الصدقَ في أفواهنا كما تُربَّى الأمانةُ في بيتٍ قديم، فمن يربّيها اليوم وقد صارت الوجوهُ مرايا بلا ذاكرة؟
نمْ مطمئنًّا أيّها الحارس الجميل لحرمة الفصحى،
نمْ بين الحروف التي أحببتَها، وبين الوقفاتِ التي قدّستَ صمتَها.
أمّا صوتُك فليس يرحل، هو الأذانُ الخفيّ الذي سيبقى يُقامُ في صدورنا،
وهو النَّفَسُ الهادئ الذي يضبطُ ميزانَ العبارة إذا اختلّت،
وهو البصمةُ التي لا تُمحى، يُذاعُ في الغياب ولا يُطفأ.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net